خاتمة وفصل الخطاب
أورد في هذه الخاتمة ، ما يرد كل ما جاء في فتاوى الإمام ابن تيمية عن الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ، ويرد على كل من لم يفهم كلام القوم من الصوفية ، فمن لم يفهم قصدهم وقف مع ظاهر جسمانية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو قوله تعالى
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
ولم يشم هذا الواقف رائحة من روح روحانيته صلى اللّه عليه وسلم ، وهو قوله تعالى
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
فنظر هؤلاء إلى قوله تعالى
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
وقد بلّغ ، ولم يطلعوا ولا استشرفوا على ما منح الحق رسوله صلى اللّه عليه وسلم وشرفه وكرمه به من العلم ، في قوله تعالى
فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
فلهؤلاء الجنة الحسية التي قال تعالى فيها
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
وقوله تعالى
فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ
فإن حظهم في الجنة حظ الأنفس ، فهم مع نفوسهم في الدنيا والآخرة ، وهو الذي لهم من قوله صلى اللّه عليه وسلم :
فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ؛ وليس لهم حظ في الجنة المعنوية التي قال فيها صلى اللّه عليه وسلم :
ولا خطر على قلب بشر ؛ فإن القلب محل العلم وتنزل الوحي ، قال تعالى
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ
ولم يقل على نفسك ، وقال تعالى
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
وقال تعالى
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
والمقصود هنا العلم ، فلا يخطر على القلب هناك ، إلا ثمرة العلم الموروث هنا في هذه الدار ، وهو المعرفة باللّه ، وفيها يتكلم القوم ، فيشاركون أولئك في الجنة الحسية ، وينفردون ويتمتعون بالجنة المعنوية ، فإن العلماء ورثة الأنبياء ، وما ورثوا إلا العلم باللّه ، وأما عن نظر القوم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الذي هو بحر العلم والمعرفة الذي منه يغترفون ، فإليك ما قاله الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي رضي اللّه عنه في الفتوحات المكية الجزء الثاني ص 73 - السؤال التاسع والأربعون والموفي خمسين .