له المجد الذي لا ينبغي لغيره ، وأقامه الحق سبحانه صورة نفعه وضره ، عدلا وفضلا ، وأراد الحق أن يتم تكرمته حسا كما أتمها نفسا ، فأنشأ لها في عالم الحس صورة مجسمة وهيئة مكملة ، بعد انقضاء الدورة التي انعطف آخرها على أولها ، وثبتت الحكمة من فاعلها ، وكانت في أوسطها مكملة ، كما كانت لبدئها وآخرها مشرقة ، وسمى سبحانه ذلك الجسم المكرم المطهر محمدا ، وجعله إماما للناس كافة وللعالم سيدا ، ونطق عن ظاهر ذلك الجسد لسان الأمر فقال : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ؛ ثم نزل لهم تعليما فافتقر ، وردد فيهم البصر والنظر ، وقال
إِنَّما أَنَا بَشَرٌ
وذلك لما كنا له مثالا وكان لنا تمثالا ، فطورا تقدس ، وطورا تجنس ، فهو السابق ، ونحن اللاحقون ، وهو الصادق ، ونحن المصدقون ، ولما كانت أيضا صورته الجسدية ختما لمقام الإنباء لا لصورة الإنشاء ، كما كان بدءا لوجود الكون وظهور العين ، وفي حضانته يكون الصون ، وكانت دورة فلكه دورة ملكه ، كانت رقيقته صلى اللّه عليه وسلم في دورة الملك إلى هلم جرا إلى الأبد أصلا لجميع الرقائق ، وحقيقته ممدة في كل زمان لجميع الحقائق ، فهو الممد صلى اللّه عليه وسلم لجميع العالم من أول منشئه إلى أبد لا يتناهى ، مادة شريفة مكملة لا تضاهى .
بعد هذا فليقل الإمام ابن تيمية ما شاء ، وليقلده في خطئه من شاء ، ولم يبق إلا أن يقول المعترض لم ذهب القوم إلى هذا الكلام واللفظ الموهم والمحير ؟ قلنا له : لتتميز المراتب ، إن لم تكن تؤمن بأن علم الأذواق لا تحصره العبارة ، وأنت تعلم أن اللّه تعالى أنزل القرآن عربيا مبينا غير ذي عوج ، ومع ذلك فقد قال تعالى فيه وأنزل
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
وقال تعالى
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
وهو الذي قال فيه
فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
ولو شاء اللّه لجعله كله محكما لا يختلف فيه اثنان ، ولكن لتتميز المراتب ، ويعرف العالم من الأعلم ، والفاضل من الأفضل ، أم كيف يظهر فضل العلماء بقوله تعالى
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
وقوله تعالى
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
لا واللّه لا يستوون .
واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل .