تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
اعلم أن اللّه تعالى لما خلق الخلق خلقهم أصنافا ، وجعل في كل صنف خيارا ، واختار من الخيار خواصّ وهم المؤمنون ، واختار من المؤمنين خواصّ وهم الأولياء ، واختار من هؤلاء الخواص خلاصة وهم الأنبياء ، واختار من الخلاصة نقاوة وهم أنبياء الشرائع المقصورة عليهم ، واختار من النقاوة شرذمة قليلة هم صفاء النقاوة المروّقة وهم الرسل أجمعهم ، واصطفى واحدا من خلقه ، هو منهم وليس منهم ، هو المهيمن على جميع الخلائق ، جعله عمدا أقام عليه قبة الوجود ، جعله أعلى المظاهر وأسناها ، صح له المقام تعيينا وتعريفا ، فعلّمه قبل وجود طينة البشر ، وهو محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لا يكاثر ولا يقاوم ، وهو السيد ومن سواه سوقة ، قال عن نفسه « أنا سيد الناس ولا فخر » بالراء والزاي روايتان ، أي أقولها غير متبجح بباطل ، أي أقولها ولا أقصد الافتخار على من بقي من العالم ، فإني وإن كنت أعلى المظاهر الإنسانية ، فأنا أشد الخلق تحققا بعيني ، فليس الرجل من تحقق بربه ، وإنما الرجل من تحقق بعينه ، لما علم أن اللّه أوجده له تعالى لا لنفسه ، وما فاز بهذه الدرجة ذوقا إلا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكشفا إلا الرسل وراسخوا علماء هذه الأمة المحمدية ، ومن سواهم فلا قدم لهم في هذا ، إنما أوجد العالم للعالم ، فرفع بعضهم فوق بعض ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ، وهو غني عن العالمين ، هذا مذهب جماعة من العلماء باللّه ، وقالت طائفة من العارفين : إن اللّه أوجد الإنس له تعالى والجن ، وأوجد ما عدا هذين الصنفين للإنسان ؛ وقد روي في ذلك خبر إلهي عن موسى صلى اللّه عليه وسلم أن اللّه أنزل في التوراة : يا ابن آدم ، خلقت الأشياء من أجلك ، وخلقتك من أجلي ، فلا تهتك ما خلقت من أجلي ، فيما خلقت من أجلك ؛ وقال تعالى
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
وتقتضي المعرفة باللّه أن اللّه خلق العالم وتعرف إليهم ، لكمال مرتبة الوجود ، ومرتبة العلم باللّه ، لا لنفسه سبحانه ، وهذه الوجوه كلها لها نسب صحيحة ، ولكن بعضها أحق من بعض ، وأعلاها ما ذهبنا إليه ، ثم يلي ذلك خلقه لكمال الوجود وكمال العلم باللّه ، وما بقي فنازل عن هاتين المرتبتين . ويقول رضي اللّه عنه في كتاب « عنقاء مغرب ، في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب » ما هذا نصه : ولما كان هذا النشء المحمدي بهذه المنزلة العلية ، وكان الأصل الجامع للبرية ، وصح
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 490 | محمود محمود الغراب