فيجهله أصحاب الأحوال بمقامه ، ويجهله أصحاب المقامات بحاله ، له عنف على شهوته إذا لم ير وجه الحق في طبيعتها ، يبذل لك لا له ، عطاؤه غير معلول ، لا يمن إذا امتن ، ويمتن بقبول المن ، لا يؤاخذ الجاهل بجهله ، فإن جهله له وجه في العلم ، لا يشعر المعطى من عنده حين ما يعطيه ، يعرفه أن ذلك أمانة عنده أمر بإيصالها إليه ، لا يعرفه أن ذلك من عند اللّه ، يفتح مغاليق الأمور المشكلة بالنور المبين ، يأكل من فوقه ومن تحت رجله « 1 » ، يضم القلوب إليه - إذا شاء من حيث لا تشعر - ويرسلها - إذا شاء من حيث لا تشعر - يملك أزمة الأمور ، وتملكه بما فيها من وجه الحق لا غيره ، ينظر إلى العلو فينسفل بنظره ، وينظر إلى السفل فيعلو ويرتفع بنظره ، يحجر الواسع ويوسع المحجور ، يسمع كل مسموع منه « 2 » لا من حيثية ذلك المسموع ، ويبصر كل مبصر منه لا من حيث ذلك المبصر ، يقضي بين الخصمين بما يرضي الخصمين ، فيحكم لكل واحد لا عليه مع تناقض الأمر ، يميل إلى غير طريقه في طريقه لحكمة الوقت ، يغلب ذكر النفس على ذكر الملأ من أجل المفاضلة ، غيرة أن يفاضل الحق ، فإنه ذاكر بحق في حق ، الأمور كلها عنده ذوقية لا خبرية ، يعرف ربه من نفسه ، كما علم الحق العالم من علمه بنفسه ، لا يؤاخذ بالجريمة ، فإن الجريمة استحقاق والمجرم المستحق ، عظمته في ذلته وصغاره ، لا ينتقل عن ذلته في موطن عظمته دنيا وآخرة ، هو في عمله بحسب علمه ، إن اقتضى العمل عمل ، وإن اقتضى أن لا عمل لم يعمل ، عنده خزائن الأمور بحكمه ، ومفاتيحها بيده ، ينزل بقدر ما يشاء ، ويخرج ما يشاء من غير اشتعار ، غوّاص في دقائق الفهوم عند ورود العبارات ، له نعوت الكمال ، له مقام الخمسة في حفظ نفسه وغيره ، ينظر في قوله أعطى كل شيء خلقه فلا يتعداه ، يدبر أمور الكون بينه وبين ربه ، كالمشير العالم الناصح في الخدمة القائم بالحرمة ، لا أينية لسره ، لا يبخل عند السؤال ، ينظر في الآثار الإلهية الكائنة في الكون ليقابلها بما عنده ، لما سمع اللّه يقول
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
يسمع نداء الحق من ألسنة الخلق ، يسع الأشياء
هامش
( 1 ) يعنى له من علوم الكسب والوهب .
( 2 ) الضمير يعود على اللّه أي سماعه من اللّه .