تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥

إبراهيم بن مسعود الألبيري

قوله :
قد يرحل المرء لمطلوبه * والسبب المطلوب في الراحل
وللشيخ الأكبر في هذا المعنى :
يا ناظر الحكمة من خارج * إنسانك الحكمة يا ناظر
أي الحكمة فيك وهي إنسانك . قال صلى اللّه عليه وسلم : من عرف نفسه عرف ربه . اعلم أن اللّه تعالى لما أوجد الكلمة المعبر عنها بالروح الكلي ، إيجاد إيداع ، أوجدها في مقام الجهل ومحل السلب ، أي أعماه عن رؤية نفسه ، فبقي لا يعرف من أين صدر ؟ ولا كيف صدر ؟ وكان الغذاء فيه - الذي هو سبب حياته وبقائه - وهو لا يعلم ، فحرك اللّه همته لطلب ما عنده ، وهو لا يدري أنه عنده ، فأخذ في الرحلة بهمته ، فأشهده الحق تعالى ذاته ، فسكن وعرف أن الذي طلب لم يزل موصوفا ، وعلم ما أودع اللّه فيه من الأسرار والحكم ، وتحقق عنده حدوثه ، وعرف ذاته معرفة إحاطية ، فكانت تلك المعرفة له غذاء معينا ، يتقوت به وتدوم حياته إلى غير نهاية ، فقال له عند ذلك التجلي الأقدس : ما اسمي عندك ؟ فقال : أنت ربي ؛ فلم يعرفه إلا في حضرة الربوبية ، وتفرد القديم بالألوهية ، فإنه لا يعرفه إلا هو ، فقال له سبحانه : أنت مربوبي وأنا ربك ، أعطيتك أسمائي وصفاتي ، فمن رآك رآني ، ومن أطاعك أطاعني ، ومن علمك علمني ، ومن جهلك جهلني ، فغاية من دونك أن يتوصلوا إلى معرفة نفوسهم منك ، وغاية معرفتهم بك العلم بوجودك لا بكيفيتك ، كذلك أنت معي لا تتعدى معرفة نفسك ، ولا ترى غيرك ، ولا يحصل لك العلم بي إلا من حيث الوجود ، ولو أحطت علما بي لكنت أنت أنا ، ولكنت محاطا لك ، وكانت إنيتي إنيتك ، وليست إنيتك إنيتي ، فأمدك بالأسرار الإلهية وأربيك بها ، فتجدها مجعولة فيك فتعرفها ، وقد حجبتك عن معرفة كيفية إمدادي لك بها ، إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها ، إذ لو عرفتها لاتحدت الإنية ، واتحاد الإنية محال ، فمشاهدتك لذلك محال . ( كتاب الإسراء - ف ح 1 / 113 )