أبو العبّاس أحمد العصّاد الحريري
خوفه من انعدام عينه :
كان أبو العباس رحمه اللّه ، سريع الرجوع إلى حسه ، باهتزاز واضطراب ، فكان الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي يعتبه في ذلك ، ويقول له في ذلك ، فيقول أبو العباس :
أخاف وأجبن من عدم عيني لما أراه . ( ف ح 2 / 559 - ح 1 / 276 )
هذا في الطريق يسمى الغربة ، وهي لأحد رجلين : رجل لم يأنس بهذا المقام ، ولا وصل إليه بطريق استدراج وترق من حال إلى حال ، بل أتاه بغتة ، فجاءه ما لم يعهده ولا ألفه ، فرأى نفسه تضعف عن حمله ، فيخاف من عدم عينه ، فيدهش عن تحصيل تلك المعرفة ، ويرجع إلى حسه عاجلا ، فيتغرب عن الحق في تلك الرجعة ، مثل أبي العباس ، وأما الرجل الآخر ، فهو رجل ما من معرفة ترد عليه ، إلا وتدهشه لعظيم ما يرى ، مما هو أعلى مما حصل له وأمكن ، فيتغرب عن الحق الذي كان بيده ، ويحصّل من هذه المعرفة حقا ، يقوم به إلى وقت تجل آخر ، يعطى فيه معرفة تدهشه لما ذكرناه ، فيتغرب أيضا عن الحق الذي حصل له في هذه المعرفة ، دائما أبدا دنيا وآخرة . ( ف ح 2 / 529 )
أما عن قول أبي العباس : أخاف وأجبن من عدم عيني لما أراه ؛ فلو علم أبو العباس ، أنه لو فارق المواد ، رجع النفس إلى مستقره ، وهو عينه ، ورجع كل شيء إلى أصله ، ولكن لو كان ذلك لا نعدمت الفائدة - في حق العبد - فيما يظهر ، وليس الأمر كذلك ، ولذلك قلنا : وهو عينه ؛ أي عين العبد ، فالبقاء الذي أراده الحق ، أولى به بوجود هذا الهيكل العنصري في الدنيا ، الطبيعي في الآخرة ، والذي يثبت هنالك - أعني عند الوارد - إنما يثبت إذا دخل عبدا ، كما أن الذي لا يثبت ، إنما دخل وفي نفسه شيء من الربوبية ، فخاف من زوالها هناك ، فهرب إلى الوجود الذي ظهرت فيه ربانيته ، ولهذا تكون فائدته قليلة ، والثابت يدخل عبدا ، قابلا بهمة محترقة إلى أصله ، ليهبه من عوارفه ما عوّده ، فإذا خرج خرج نورا