قول العارف : إن الجمع ما أشهدك الحق من فعله بك حقيقة ، والفرق ما أشهدك الحق من أفعالك أدبا .
قوله في الجمع : يريد أنك محل لجريان أفعاله ، والأمر في الحقيقة بالعكس ، بل هو المنعوت بحكم آثار استعدادات أعيان الممكنات فيه ، إلا أن يريد بقوله : من فعله بك ؛ أي بك ظهر الفعل ، ولم يتعرض لذكر فيمن ظهر الأثر ، فقد يمكن أن يريد ذلك ، أما قوله :
إن الفرق ما أشهدك الحق من أفعالك أدبا ؛ يشير بذلك إلى الأفعال التي لا يعطي الأدب أن تنسب إلى اللّه ، وإن كانت من اللّه ، لا إلى الأفعال التي تنسب إلى اللّه أدبا وحقيقة ، وخصص هذا القائل بعض الأفعال بقوله : أدبا ؛ فإذا نسبت هذه الأفعال إلى اللّه اتصفت بالبقاء ، لا لأعيانها ، بل لكونها مشهودة للّه ، وما عند اللّه باق ، كما يبقى الفعل عندك ما دام مشهودا لك ، فإذا لم تشهده زال عينه عن شهودك ، ولهذا قال : ما أشهدك الحق من أفعالك ؛ ولم يتعرض لما يشهدك ، كما أنه لم يتعرض إلى المحمود من أفعالك ، مع كونه ينسب إليك فقال : أدبا . ( ف ح 2 / 517 ، 518 )
قول العارف : الجمع مشاهدة المعرفة ، والفرق مشاهدة العبودية .
اعلم أن المعرفة باللّه تعطي أن للعبد نسبة إلى العمل صحيحة أثبتها الحق ، ولذلك كلفه بالأعمال ، وللحق تعالى نسبة إلى العمل أثبتها الحق لنفسه ، وشرع لعبده أن يقول في عمله
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وقال موسى كليم اللّه - وأعلم الخلق باللّه رسل اللّه - فقال لقومه
اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا
ولا فرق عندنا بين ما يقول اللّه أو يقول رسول اللّه ، من نعت اللّه في الصحة والنسبة إليه ، وقال اللّه : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ؛ ثم فصل سبحانه بين ما يقول العبد وبين ما يقول اللّه ، فنسب القول إلى العبد نسبة صحيحة ، والقول عمل ، وهو طلب العون من اللّه في عمله ذلك ، فصحت المشاركة في العمل ، فهذا قد جمعت في العمل بين اللّه وبين العبد ، فهذا معنى الجمع ، فقد قررت أن عين العبد مظهر ( بفتح الهاء ) وأن الظاهر هو عين الحق ، وأن الحق أيضا عين صفة العبد ، وبالصفة وجد العمل ، والظاهر هو العامل ، فإذا ليس العمل إلا للّه خاصة ، قلنا : وعندما قررنا ما ذكرناه ، قررنا أيضا أن عين