والحياء يقتضي ترك الزلة في الحال ، والركن الثاني هو الندم على ما فات ، وهو عند الفقهاء الركن الأعظم ، وأما الركن الثالث فالعارفون يسألون ربهم أن يتوب عليهم ، وحظهم من التوبة الاعتراف والسؤال لا غير ذلك ، كما فعل آدم عليه السلام إذ قال :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
فإن الرجوع إلى اللّه بطريق العهد - وهو لا يعلم ما في علم اللّه - فيه خطر عظيم ، فإنه إن كان قد بقي عليه شيء من مخالفة ، فلا بد من نقض ذلك العهد ، فلم ير أكمل معرفة من آدم عليه السلام ، حيث اعترف ودعا ، وما عهد مع اللّه توبة عزم فيها أن لا يعود ، كما يشترطه علماء الرسوم في حد التوبة ، فتوبة الرب على العبد مقطوع لها بالقبول ، وتوبة العبد في محل الإمكان ، لما فيها من العلل وعدم العلم باستيفاء حدودها وشروطها وعلم اللّه فيها ، فالناصح نفسه من سلك طريقة آدم عليه السلام .
واعلم أن مقام التوبة ، من المقامات المستصحبة إلى حين الموت ، ما دام مخاطبا بالتكليف ، أعني التوبة المشروعة ، وأما توبة المحققين فلا ترتفع دنيا ولا آخرة ، فلها البداية ولا نهاية لها ، إلا أن يكون الاسم التواب في المظهر عين الظاهر ، فلا بدء في أحواله ولا نهاية ، وإن كانت كل توبة لها بدء .
أما قول الجماعة : إن التوبة ترك التوبة ، والتوبة من التوبة ؛ فنفيها إثباتها ، وإثباتها نفيها ، فترك التوبة حال التبري من الدعوى ، فإن اللّه هو التواب ، فما تاب من تاب ، ولكن اللّه تاب ، فليست التوبة المشروعة إلا الرجوع من حال المخالفة إلى حال الموافقة ، أعني مخالفة أمر الواسطة إلى موافقة أمرها لا غير ، والتوبة من التوبة هي الرجوع منه إليه به ، فالتوبة من التوبة لها الكشف وما لها حجاب ، وصاحبها مسؤول ، لأنه تبرأ من الدعوى بها ، أعني بالدعوى ، وكل مدع مطالب بالبرهان على صحة دعواه ، فالمكمل من يثبت التوبة حيث أثبتها الحق ولمن أثبتها ، ولا يعديها محلها . ( ف ح 2 / 139 )
فمقام التوبة من التوبة ، أي من التوبة التي يقال في صاحبها تائب ، وهو الذي يرجع من المخالفة إلى التوبة التي يقال في صاحبها تواب ، وهو الذي ينتقل في الآنات مع الأنفاس ، من اللّه إلى اللّه بالموافقات . ( ف ح 2 / 32 )