من اللّه إلينا بها ، وهي عندنا صفات الحق ، وأن العبد علت منزلته عند اللّه حتى تحلى بها ، فهي عند العامة أسماء نقص ، وعندنا أسماء كمال ، فإنه ما ثمّ مسمى بالأصالة إلا اللّه ، ولما أظهر الخلق أعطاهم من أسمائه ما شاء وحققهم بها ، والخلق في مقام النقص لإمكانه وافتقاره إلى المرجّح ، فما يتخيل أنه أصل فيه وحق له ، أتبعوه في الحكم نفسه ، فحكموا على هذه الأسماء الخلقية بالنقص ، وإذا بلغهم أن الحق تسمى بها ويصف نفسه بها ، يجعلون ذلك نزولا من الحق تعالى إليهم بصفاتهم ، وما يعلمون أنها أسماء حق بالأصالة ، فعلى مذهبنا في ظهور الخلق بصفات الحق ، تعم الخلق أجمعه ، فكل اسم لهم هو حق للحق ، مستعار للخلق ، وعلى مذهب الجماعة لا يكون ذلك إلا لأهل الخصوص ، أعني الأسماء الحسنى منها خاصة ، وعندنا لا يكون العلم بذلك إلا للخصوص من أهل اللّه ، وفرق عظيم بين قولنا : لا يكون ذلك وبين قولنا : لا يكون العلم بذلك ، فإن الحق هو المشهود بكل عين في نفس الأمر ، ولا يعلم ذلك إلا آحاد من أهل اللّه ، وهو مثل قول الصديق : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه قبله ؛ فلا يتميّز أهل اللّه من غيرهم إلا بالعلم بذلك ، لأن الأمر في نفسه على ذلك ، وعند العامة لا يكون ذلك إلا لأهل العناية المتحققين بالحق ، فمن أراد الطريق إلى العصمة من المكر الإلهي ، والعصمة من الآفات المهلكة ، فليلزم عبوديته في كل حال ولوازمها ، فتلك علامة على عصمته من مكر اللّه ، ويبقى كونه لا يأمنه في المستقبل ، بمعنى أنه ما هو على أمن أن تبقى له هذه الحالة في المستقبل ، إلا بالتعريف الإلهي الذي لا يدخله تأويل ، ولا يحكم عليه إجمال . ( ف ح 3 / 147 - كتاب النجاة - ف ح 3 / 37 ، 147 )
فموقف السواء ، هو الموقف الذي لا يتميز فيه سيد من عبد ، ولا عبد من سيد ، فإن قلت فيه في تلك الحالة : سيد صدقت ، وان قلت فيه : عبد صدقت ، لأن لك شاهد حال في كل قول ، يشهد لك بصدق ما تقول ، فقل ما شئت فيه تصدق ، وهو مثل قوله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
فكونه رمى حق ، وكونه لم يرم حق ، يقول تعالى : كنت يده التي يبطش بها ؛ فإن قلت : إن الرامي هو اللّه صدقت ، وإن قلت : إن الرامي هو محمد صلى اللّه عليه وسلم صدقت ؛ هذا هو موقف السواء . ( ف ح 1 / 607 )