يعلمون ، فيحسبون أنه يكلمهم وما يكلم سواي ، ويظنون أنه يجيبهم وما يجيب إلا إياي ، قال بعض أصحاب هذه الصفة :
يا مؤنسي بالليل إذ هجع الورى * ومحدّثي من بينهم بنهار
( ف ح 1 / 237 )
قول النفري : أوقفني في موقف السواء .
موقف السواء ، أن يتساوى عند الحضرتين القديمة والحديثة ، ومن قال بالاتحاد فمن ههنا قال ، ومن ههنا يترقى العارفون إلى الكمال ، أو يحط بهم إلى الطرد والإهمال ، فإن من حضرة الجمع بين العبد والرب ظهر القائلون بالاتحاد والحلول ، فإنها حضرة علم تزل فيها الأقدام ، فإن الشبهة فيه قوية ، لا يقاومها دليل مركب ، نسأل اللّه العافية في كل موطن بمنه وفضله ، وهو منزل شامخ صعب المرتقى ، فيه مزلة الأقدام ، فلا يقطعه إلا رجل كامل ، من رسول ونبي ، ووارث كامل يحجب كل وارث في زمانه ، وذلك لظهور العبد فيه بصورة الحق ، فإن لم يمنّ اللّه على هذا العبد بالعصمة والحفظ ، ويثبت قدمه بأن يبقي عليه في هذا الظهور شهود عبوديته ، لا تزال نصب عينيه ، وإن لم تكن حالته هذه ، وإلا زلت به القدم ، وحيل بينه وبين شهود عبوديته بما رأى نفسه عليه من صورة الحق ، ورأى الحق في صور عبوديته ، وانعكس عليه الأمر ، وهو مشهد صعب ، في هذا المنزل يشاهد قوله تعالى
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
ومحمد صلى اللّه عليه وسلم هو الرامي ، في الحسّ الذي وقع عليه البصر ، ويقوم له في هذا المنزل
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
فاعلم أن السواء بين طريقين ، لأن الأمر محصور بين رب وبين عبد ، فللرب طريق وللعبد طريق ، فالعبد طريق الرب فإليه غايته ، والرب طريق العبد فإليه غايته ، فالطريق الواحدة العامة في الخلق كلهم ، هو ظهور الحق بأحكام صفات الخلق ، فهي في العموم أنها أحكام صفات الخلق ، وهي عندنا صفات الحق لا الخلق ، وهذا معنى السواء ، والطريق الأخرى ظهور الخلق بصفات الحق ، التي تتميز في العموم أنها صفات الحق ، كالأسماء الحسنى وأمثالها ، وهذا مبلغ علم العامة - وعندنا وعند الخصوص - كلها صفات الحق بالأصالة ، ما أضيف إلى الخلق منها ، مما تجعله العامة نزولا