ولا ينقصون في كل زمان ، وهم أهل خشوع ، فلا يتكلمون إلا همسا ، وهؤلاء هم المستورون الذين لا يعرفون ، خبأهم الحق في أرضه وسمائه ، فلا يناجون سواه ، ولا يشهدون غيره ، يمشون على الأرض هونا ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، دأبهم الحياء ، إذا سمعوا أحدا يرفع صوته في كلامه ، ترعد فرائصهم ويتعجبون ، وذلك أنهم - لغلبة الحال عليهم - يتخيلون أن التجلي الذي أورث عندهم الخشوع والحياء ، يراه كل أحد ، فرجال الغيب هم هذه الطبقة ، وقد يطلقونه ويريدون به من يحتجب عن الأبصار من الإنس ، وقد يطلقونه ويريدون به رجالا من الجن من صالحي مؤمنيهم ، وقد يطلقونه على القوم الذين لا يأخذون شيئا من العلوم والرزق المحسوس من الحس ، ولكن يأخذونه من الغيب .
قال الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي لمن روى هذه الحكاية عن سهل : الرجل من يكون في الفلاة فيصلي ، فينصرف من صلاته بالحال الذي هو في صلاته ، فلا ينصرف معه أحد من الملائكة ، فإنهم لا يعرفون أين يذهب ؛ هؤلاء هم عندنا رجال الغيب على الحقيقة ، لأنهم غابوا عنده ، فإن رجال الغيب قسمان في الظهور : منهم رجال غيب عن الأرواح العلى ظاهرون للّه لا لمخلوق رأسا ، ورجال غيب عن عالم الشهادة ظاهرون في العالم الأعلى . ( ف ح 2 / 11 ، 12 )
مناظرة سهل مع إبليس :
قال سهل بن عبد اللّه : لقيت إبليس فعرفته ، وعرف مني أني عرفته ، فوقعت بيننا مناظرة ، فقال لي وقلت له ، وعلا بيننا الكلام وطال النزاع ، بحيث أن وقفت ووقف ، وحرت وحار ، فكان من آخر ما قال لي : يا سهل ، اللّه عز وجل يقول
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
فعمّ ، ولا يخفى عليك أني شيء بلا شك ، لأن لفظة كل تقتضي الإحاطة والعموم ، وشيء أنكر النكرات ، فقد وسعتني رحمته ، قال سهل : فو اللّه لقد أخرسني وحيرني بلطافة سياقه ، وظفره بمثل هذه الآية ، وفهم منها ما لم نفهم ، وعلم منها ومن دلالتها ما لم نعلم ، فبقيت حائرا متفكرا ، وأخذت أتلو الآية في نفسي ، فلما جئت إلى قوله تعالى فيها
فَسَأَكْتُبُها
الآية سررت وتخيلت أني قد ظفرت بحجة ، وظهرت عليه بما يقصم ظهره ، وقلت له : يا ملعون إن اللّه قد قيدها بنعوت مخصوصة يخرجها من ذلك العموم ، فقال