سهل ، فنزل إليه في الجواب بنفس آخر غير النفس الأول ، وعلم أنه رضي اللّه عنه جهل حال السائل كما جهل السائل جوابه ، فقال له سهل : ما لك ولها ؟ يعني الأشباح ، دع الديار إلى بانيها ، إن شاء خربها وإن شاء عمرها ؛ فما زال سهل عن جوابه الأول ، لكن في صورة أخرى ، وعمارة الدار بساكنها ، فالقوت اللّه كما قال أول مرة ، إلا أن السائل قنع بالجواب الثاني ، لنزوله من النص إلى الظاهر ، فإن المحبين من رجال اللّه العارفين ، شغلوا نفوسهم بما أمرهم به محبوبهم ، فهم ناظرون إليه حبا وهيمانا ، قد تيمهم بحبه وهيمهم بين بعده وقربه ، فمن هنا نعتوا بأنهم آثروه على كل مصحوب ، لأنه صاحبهم لقوله تعالى
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
وكل من في العالم يصحبه أيضا ، لأجل الأمانة التي بيده ، فيؤثر الإنسان - لمحبته للّه - جناب اللّه على كل مصحوب ، فلما قيل لسهل : ما القوت ؟ قال : اللّه ؛ قيل له ؛ ما نريد إلا ما تقع به الحياة ؛ قال : اللّه ؛ فلم ير إلا اللّه ، فلما ألحوا عليه وقالوا له ؛ إنما نريد ما به عمارة هذا الجسم ؛ فلما رآهم ما فهموا عنه عدل إلى جواب آخر فقال : دع الديار إلى بانيها ، إن شاء عمرها وإن شاء خربها ؛ يقول ليس من شأن اللطيفة الإنسانية صحبة هذا الهيكل الخاص ، ولابد تشتغل هي بما كلّفها المحبوب ، الذي هو عين حياتها ووجودها ، وأي بيت أسكنها فيه سكنته ، هذا إن كان يقول بعدم التجريد عن النشأة الطبيعية ، كما نقول وكما أعطاه الكشف ، وإن كان يقول بالتجريد عن الطبيعة وارتفاع العلاقة ، فهو على كل حال ممن يؤثر اللّه على كل مصحوب ، قال تعالى
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ
لما هو عليه من الراحة حيث رآه عين كل شيء
وَرَيْحانٌ
لما رآه عين الرزق الذي يحيى بتناوله كما قال سهل .
وما قوت النفوس سوى قواها * وأن العين عين كل قوت
وسهل ما له قوت سواه * وأين الحق من خبز وحوت
جميع الخلق في الأقوات تاهوا * وسهل ما يراه سوى المقيت
فإن سر الغذاء ابتداء إنما هو الحياة ، وسره بعد وجود الحياة بقاء الحياة ، فالحياة والبقاء أمران متولدان عن الغذاء ، فالغذاء أعلى في رتبة الوجود من الحياة ، وفلكه أعظم إحاطة من فلك الحياة ، وهو الساري في جميع الموجودات ، جماد وغيره ، لكن يظهر في أشياء