فعرّف سهل بن عبد اللّه في سؤاله ، أن اللّه أطلعه على سجود قلبه ، فلازم تلك الصفة ، فلم يرفع رأسه من سجدته لا في الدنيا ، ولا يرفعه في الآخرة ، فما دعا اللّه بعد ذلك في رفع شيء نزل ، ولا في إنزال شيء رفع . ( ف ح 2 / 102 - ح 3 / 86 ) .
واعلم أن مدار هذه الطريقة على هذه السجدة القلبية ، إذا حصلت للإنسان - حال مشاهدة عين - فقد كمل ، وكملت معرفته وعصمته ، فلم يكن للشيطان عليه سبيل ، وتسمى هذه العصمة في حق الولي حفظا ، كما تسمى في حق النبي والرسول عصمة ، ليقع الفرق بين الولي والنبي ، أدبا منهم مع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، ليختصوا باسم العصمة ، فالولي الحاصل عنده العلم من التجلي هو على بصيرة ، محفوظ من كل شبهة ، فإن الشيطان - أعني شيطان الإنس والجن - ليس له على قلب صاحب علم التجلي الإلهي سبيل في ربه ، وهذا لا يكون لأحد من الأولياء إلا لمن سجد قلبه ، فإن الشيطان لا يعتزل عن الإنسان ، إلا في حال سجوده في الظاهر والباطن ، فإن لم يسجد قلب الولي فليس بمحفوظ ، وهذه مسألة دقيقة عظيمة في طريق أهل اللّه ، ما تحصل إلا لأفراد يعز وجودهم ، وهم الذين هم على بينة من ربهم ، والبينة تجليه تعالى ، ويتلو تلك البينة شاهد من العبد معدّل ، وهو سجود القلب ، فإذا اجتمعت البينة الربانية والشاهد الثاني ، عصم القلب وحفظ ، ودعا صاحبه الخلق إلى اللّه على بصيرة ، وكم من ولي للّه ، كبير الشأن ، طويل العمر ، مات وما حصل له سجود القلب ، ولا علم أن للقلب سجودا أصلا ، مع تحققه بالولاية ورسوخ قدمه فيها ، فإن سجود القلب إذا حصل ، لا يرفع أبدا رأسه من سجدته ، فهو ثباته على تلك القدم الواحدة ، التي تتفرع منها أقدام كثيرة وهو ثابت عليها . وفي سجود القلب يقول الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي :
ألا فارجع إلى أصل الوجود * لما تدريه من كرم وجود
لقد منّ الإله على فؤادي * بما أعطاه في حال السجود
سجود القلب إن فكرت فيه * على التحقيق يوذن بالشهود
إلى الأبد الذي ما فيه حد * تعالى عن مصاحبة الحدود