تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وسجود القلب إذا سجد لا يرفع أبدا ، لأن سجوده للأسماء الإلهية لا للذات ، فإنها هي التي جعلته قلبا ، فهي تقلبه من حال إلى حال ، دنيا وآخرة ، فلهذا سمته قلبا ، فإذا تجلى له الحق مقلّبا فيرى أنه في قبضة مقلّبه ، وهو الأسماء الإلهية التي لا ينفك مخلوق عنها ، فهي المتحكمة في الخلائق ، فمن مشاهد لها وهو الذي سجد قلبه ، ومن غير مشاهد لها فلا يسجد قلبه ، وهو المدعي الذي يقول أنا ، وعلى من هذه صفته يتوجه الحساب والسؤال يوم القيامة ، والعقاب إن عوقب ، ومن سجد قلبه فلا دعوى له ، فلا حساب ولا سؤال ولا عقاب ، فلا حالة أشرف من حالة سجود القلب ، لأنها حالة الوصول إلى علم الأصول ، فلا صفة أشرف من صفة العلم ، فإنه معطي السعادة في الدارين ، والراحة في المنزلتين ؛ أصل الأعداد الواحد فلا وجود لها إلا به « 1 » وبه بقاؤها ، فمن لا علم له بأحدية خالقه ، كثرت آلهته وغاب عن معرفته بنفسه ، فجهل ربه .
فصار عبدا لكل رب * فهو محل لكل ذنب
والسجود يقتضي الديمومية ، ولهذا قال الشيخ أيضا لسهل بن عبد اللّه : إلى الأبد ؛ لأن السجود الخضوع ، والإسجاد إدامة النظر ، وكل من تطأطأ فقد سجد ، « وقلن له اسجد لليلى فأسجدا » أي طأطأ البعير لها تركبه ، والتطأطؤ لا يكون إلا عن رفعة ، والرفعة في حق كل ما سوى اللّه خروج عن أصله ، فقيل له : اسجد ؛ أي تطأطأ عن رفعتك المتوهمة ، واخضع من شموخك ، بأن تنظر إلى أصلك فتعرف حقيقتك ، فإنك ما تعاليت حتى غاب عنك أصلك ، فطلبك على أصلك طلبك الغيب عينه ، ومن عرف أصله عرف عينه أي نفسه ، ومن عرف نفسه عرف ربه ، ومن عرف نفسه لم يرفع رأسه ، ومن عرف ربه رفع رأسه ، فإنه مخلوق على صورة ربه ، ومن نعوت ربه الرفيع ، فلا بد أن يرفع نفسه ، وبعد هذه الرفعة يقال له : اسجد ؛ فيسجد وجهه فيسجد قلبه ، فيرفع وجهه من السجود فلا يدوم ، فإن القبلة التي سجد لها لا تدوم ، والجهة التي سجد لها لا تدوم ، فرفع لرفع المسجود له ، وسجد القلب فلم يرفع لأنه سجد لربه ، فقبلته ربه ، وربه لا يزول ، ولا ترتفع عن الوجود ربوبيته ، فالقلب لا يرفع رأسه من سجوده أبدا ، لأن قبلته لا ترتفع ، فهذا معنى السجود ،
هامش
( 1 ) يعني أصل الأسماء الإلهية وإن كثرت أحدية الذات .