تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦

أبو سعيد الخرّاز

توفي عام 277 ه وقيل 286 ه

قوله : عرفت اللّه بجمعه بين الضدين .

قيل لأبي سعيد بم عرفت اللّه ؟ قال : بجمعه بين الضدين ، ثم تلا
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
. ( ف ح 1 / 184 ) يريد أنه عرفه من وجه واحد ، لا من نسب مختلفة كما يراه أهل النظر من علماء الرسوم ، فهو قد عرفه من حيث أحديته ، فإن الأول من العالم بالنسبة إلى ما يخلق بعده ، والآخر من العالم بالنسبة إلى ما خلق قبله ، وليس كذلك معقولية الاسم اللّه الأول والآخر والظاهر والباطن ، فإن العالم يتعدد والحق واحد لا يتعدد ، ولا يصح أن يكون أولا لنا ، فإن رتبته لا تناسب رتبتنا ، فهو اللّه ونحن العبيد ، ولا تقبل رتبتنا أوليته ، ولو قبلت رتبتنا أوليته لاستحال علينا اسم الأولية ، بل كان ينطلق علينا اسم الثاني لأوليته ، ولسنا بثان له ، تعالى عن ذلك ، فليس هو بأول لنا ، فلهذا كان عين أوليته عين آخريته ، وهذا المدرك عزيز المنال ، يتعذر تصوره على من لا أنسة له بالعلوم الإلهية ، التي يعطيها التجلي والنظر الصحيح ، وهو الذي أشار إليه أبو سعيد بقوله : بجمعه بين الضدين ؛ يعني في وصفه ، ثم تلا
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
فإن مما يعطيه النظر العقلي أن الحق في مرتبة يتقدم ، فيكون له الاسم الأول ، وفي مرتبة يتأخر فيكون له الاسم الآخر ، فهما نسبتان يحكم له بهما ، هذا ما يعطيه النظر العقلي ، وأما ما تعطيه المعرفة الذوقية ، فهو أنه ظاهر من حيث ما هو باطن ، وباطن من عين ما هو ظاهر ، وأول من عين ما هو آخر ، وكذلك القول في الآخر ، فلا يتصف أبدا بنسبتين مختلفتين ، كما يقرره ويعقله العقل من حيث ما هو ذو فكر ، وهذا معنى قول أبي سعيد ، فإنه لو كان عنده هذا العلم من نسبتين مختلفتين ، ما صدق قوله : بجمعه بين