هو العالم الذي تعطيه هذه الدلالة توحيد الموجد ؟ فاعلم أن الدلالة هي أحدية كل عين ، سواء كانت أحدية الواحد أو أحدية الكثرة ، فأحدية كل عين ممكنة ، تدل على أحدية عين الحق مع كثرة أسمائه ، ودلالة كل اسم على معنى مغاير مدلول الآخر ، فيحصل من هذا أحدية الحق في عينه ، وأحدية الكثرة من أسمائه ، فكل شيء في الوجود ، قد دل على أن الحق واحد في أسمائه وفي ذاته ، فحظ من يعرف أحدية الحق من أحدية نفسه ، أن يتخذ أحدية نفسه على أحدية ربه دليلا ، وآية كل شيء عنده أحديته ، إذ كان كل موجود لابد أن يمتاز عن غيره ، بأحدية لا تكون لغيره ، وتلك الأحدية هي على الحقيقة ، حقيقة إنيّته وهويته ، فيعلم من ذلك أن ربه على خصوص وصف في هويته ، لا يمكن أن يكون ذلك لسواه . ( ف ح 4 / 294 - ح 1 / 460 )
فللأحدية حكم في جناب الحق وجناب العبد ، فما قال أبو العتاهية اثنان ، ولا قال شيئان ، فاعتبر أحدية كل شيء من كونه آية على أحدية الحق ، حتى لا يعرف الواحد إلا بالواحد ، فالأحدية أشرف صفة الواحد من جميع الصفات ، وهي سارية في كل موجود ، ولولا أنها سارية في كل موجود ، ما صح أن تعرف أحدية الحق سبحانه ، فما عرفه أحد إلا من نفسه ، ولا كان على أحديته دليل سوى أحديته « من عرف نفسه عرف ربه » هكذا قال صلى اللّه عليه وسلم ، فأحدية كل شيء هي التي يمتاز بها عن غيره من أمثاله ، فالأحدية تسري في كل شيء ، من قديم وحادث ، ومعدوم وموجود ، ولا يشعر بسريانها كل أحد ، لشدة وضوحها وبيانها ، كالحياة عند أرباب الكشف والإيمان ، فإنها سارية في كل شيء ، سواء ظهرت حياته كالحيوان ، أو بطنت حياته كالنبات والجماد .
ولهذا كان يقول الحسن بن هانيء شاعر وقته : وددت أن هذا البيت الواحد لي بجميع شعري ؛ وهذا يدل على فضل هذا البيت ، وأنه من الكلام المعجز ، وما أظن أنه وقع لقائله إلا بحكم الاتفاق . ( ف ح 1 / 471 ، 636 )
الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 150
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١٥٠