سمعت إحدى العارفات قارئا يقرأ إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ
فقالت : مساكين أهل الجنة ، في شغل هم وأزواجهم .
ليت القائلة سلمت ، يا مسكينة ، ذكر اللّه تعالى الشغل عن هؤلاء ، وما عرفّك بمن ؟
ولا بمن تفكهوا هم وأزواجهم ؟ فبماذا حكمت عليهم أنهم شغلوا عن اللّه ؟ لو اشتغلت هذه القائلة باللّه ما قالت هذه المقالة ، لأنها لا تنسب إليهم شغلهم بغير اللّه ، حتى تتصور في نفسها هذه الحالة التي تخيلتها فيهم ، وإذا تصورتها لم يكن مشهودها في ذلك الوقت إلا تلك الصورة ، فهي المسكينة ، لما تحققنا من كلامها ، أن وقتها ذلك كان شغلا عن اللّه ، وأصحاب الجنة في باب الإمكان ، وهي قد شهدت على نفسها شهود تحقيق ، أنها مع غير اللّه في شغل ، وهذا من مكر اللّه الخفي بالعارفين ، في تجريح الغير ببادي الرأي ، والتعريض في حق نفوسهم أنهم منزهون عن ذلك ، دعا بعض أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم النبي إلى طعام ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : أنا وهذه ؛ وأشار إلى عائشة ، فقال الرجل : لا ، فأبى أن يجيب دعوته صلى اللّه عليه وسلم ، إلى أن أنعم له فيها أن تأتي معه ، فأقبلا يتدافعان إلى منزل ذلك الرجل ، النبي صلى اللّه عليه وسلم وعائشة ، ورأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحسن والحسين وهو يخطب يوم الجمعة ، وقد أقبلا يعثران في أذيالهما ، فلم يتمالك أن نزل من المنبر وأخذهما ، وجاء بهما حتى صعد المنبر ، وعاد إلى خطبته ، أترى ذلك من نقص حاله ؟ لا واللّه بل من كمال معرفته ، فإنه رأى بأي عين نظر ، ولمن نظر ، فو اللّه ما اشتغل صلى اللّه عليه وسلم إلا باللّه . ( ف ح 1 / 743 )