الهدى ، فسئل عن التوحيد فقال : « التوحيد إفراد الحدوث عن القدم » فبيّن أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث ، وبين الخالق والمخلوق ، وصاحب الفصوص أنكر هذا ، وقال في مخاطبته الخيالية الشيطانية له : « يا جنيد هل يميز بين المحدث والقديم إلا من يكون غيرهما ؟ » فخطّأ الجنيد في قوله : « إفراد الحدوث عن القدم » لأن قوله هو أن وجود المحدث هو عين وجود القديم ا ه .
نقول : إن هذا الذي ساقه ابن تيمية واعتمد عليه ، في ذم الشيخ الأكبر للجنيد ، ليس بدليل ، إذ لو اعتبر ذلك دليلا ، لما سلم شيخ ولا عالم من علماء المسلمين ، ولأصبحت آراء العلماء كلها ذما من بعضهم لبعض ، وكتب الفقه والعلم مملوءة برد العلماء بعضهم على بعض ، وتخطئة اجتهاد بعضهم لبعض ، ولا يعتبر ذلك ذما ولا قدحا في مقام هؤلاء الشيوخ والعلماء ، هذا في العلم الظاهر والأحكام المشروعة ، فما بالك بعلوم الأذواق والمواجيد والأحوال والمقامات ، ولا يمكن أن يسلّم لابن تيمية بأن هذه العبارة التي استشهد بها - إذا صح نسبتها إلى الشيخ الأكبر - ذم للجنيد ، بعد أن تطلع على النصوص والعبارات التي يوردها الشيخ الأكبر في حق الجنيد ، فما بالك إذا ثبت عدم صحتها ، كما سيتضح من تحقيق هذه العبارة في آخر هذا الكتاب « 1 » .
وصف الشيخ الأكبر للجنيد بن محمد في كتبه :
أولا : يستشهد الشيخ الأكبر بكلام الجنيد بن محمد ، في كتابه روح القدس في محاسبة النفس ، عند وصفه لفساد الحال ، فيقول :
فرحم اللّه سيد هذه الطائفة أبا القاسم الجنيد حيث أنشد لما رأى فساد الحال :
أهل التصوف قد مضوا * صار التصوف مخرقة
صار التصوف ركوة * وتواجدا ومطبقة
كذبتك نفسك ليس ذي * سنن الطريق الملحقة
هامش
( 1 ) راجع ص 112 تحقيق العبارة التي أوردها ابن تيمية عن الجنيد ونسبها إلى الشيخ الأكبر .