الأحكام بالتعليل وطرد العلة والقياس والرأي والاستحسان ، وما كان ربك نسيا ، ولكن بحمد اللّه جعل اللّه في ذلك رحمة أخرى لنا ، لولا أن الفقهاء حجرت هذه الرحمة على العامة ، بإلزامهم إياها مذهب شخص معين ، لم يعينه اللّه ولا رسول ، ولا دل عليه ظاهر كتاب ولا سنة صحيحة ولا ضعيفة ، ومنعوه أن يطلب رخصة في نازلته ، في مذهب عالم آخر اقتضاه اجتهاده ، وشددوا في ذلك ، وقالوا : هذا يفضي إلى التلاعب بالدين ؛ وتخيلوا أن ذلك دين ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه تصدق عليكم فاقبلوا صدقته ؛ فالرخص مما تصدق اللّه بها على عباده ، وقد أجمعنا على تقرير حكم المجتهد ، وعلى تقليد العامي له في ذلك الحكم « 1 » ، لأنه عنده عن دليل شرعي ، سواء كان صاحب قياس أو غير قائل به ، فتلك الرخصة التي رآها الشافعي في مذهبه على ما اقتضاه دليله ، قد قررها الشارع ، فيمنع المفتي من المالكية المالكي المذهب أن يأخذ برخصة الشافعي التي تعبده بها الشارع ، وإنما أضفناها إلى الشارع لأن الشارع قررها ، بمنعه مما يقتضيه الدليل في الأخذ به بأمر لا يقتضيه الدليل الذي لا أصل له ، وهو ربط الرجل نفسه بمذهب خاص لا يعدل عنه إلى غيره ، ويحجر عليه ما لم يحجر الشرع عليه ، وهذا من أعظم الطوام وأشق الكلف على عباد اللّه ، فالذي وسّع الشرع بتقرير حكم المجتهدين من هذه الأمة ، ضيقه عوام الفقهاء ، وأما الأئمة مثل أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والشافعي فحاشاهم من هذا ، ما فعله واحد منهم قط ، ولا نقل عنهم أنهم قالوا لأحد : اقتصر علينا ، ولا قلدني فيما أفتيك به ؛ بل المنقول عنهم خلاف هذا رضي اللّه عنهم ، واللّه جعل خلاف المجتهدين رحمة لعباده ، واتساعا فيما كلفهم به من عبادته ، لكن فقهاء زماننا حجروا وضيقوا على الناس المقلدين للعلماء ما وسع الشرع عليهم ، فقالوا للمقلد إذا كان حنفي المذهب : لا تطلب رخصة الشافعي فيما نزل بك ؛ وكذلك لكل واحد منهم ، وهذا من أعظم الرزايا في الدين والحرج ، واللّه يقول :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
والشرع قد قرر حكم المجتهد له في نفسه ولمن قلده ، فأبوا - فقهاء زماننا - ذلك ، وزعموا أن ذلك يؤدي إلى التلاعب بالدين ، وهذا غاية الجهل منهم ، فليس الأمر واللّه كما زعموا ، مع إقرارهم على أنفسهم أنهم ليسوا بمجتهدين ، ولا حصلوا
هامش
( 1 ) راجع حاشية : التقليد لمن لا علم له . وذلك خلاف ما ذهب إليه ابن حزم .