أفعال النبي صلى اللّه عليه وسلم :
وأما أفعال النبي صلى اللّه عليه وسلم فليست على الوجوب ، فإن في ذلك غاية الحرج ، إلا فعل بيّن به أمرا تعبدنا به ، فذلك الفعل واجب ، مثل قوله « صلوا كما رأيتموني أصلي » « وخذوا عني مناسككم » وأفعال الحج ، ولولا نطقه في ذلك في بعض الأفعال لم يكن يلزمنا ذلك الفعل ، فإنه بشر يتحرك كما يتحرك البشر ، ويرضى كما يرضى البشر ، ويغضب كما يغضب البشر ، فلا يلزمنا اتباعه في أفعاله إلا إن أمر بذلك ، وتعين عليه أن لا يفعل فعلا سرا بحيث لا يراه أحد ، كما تعين عليه فيما أمر بتبليغه ، أن لا يتكلم به وحده بحيث لا يسمعه أحد ، حتى ينقله إلى من لم يسمعه . فمعنى الاتباع أن نفعل ما يقول لنا ، فإن قال : اتبعوني في فعلي ، اتبعناه ، وإن لم يقل فالذي يلزمنا الاتباع فيما يقول ، فينتج لنا الاتباع فيما أمرنا به ونهانا عنه والوقوف عند حدوده ، أن نتبعه في أفعاله في خلقه ، والأشياخ يسئلون ولا يقتدى بأفعالهم ، إلا إن أمروا بذلك في أفعال معينة ، قال تعالى
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
وهم أهل القرآن أهل اللّه وخاصته ، وأهل القرآن هم الذين يعملون به ، وهو الميزان المشروع من اللّه تعالى ، فلا ينبغي أن يقتدى بفعل أحد دون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن أحوال الناس تختلف ، فقد يكون عين ما يصلح للواحد يفسد به الآخر إن عمل به ، وإذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد اختلف الناس في أفعاله ، هل هي على الوجوب أم لا ؟ فكيف بغيره ؟ مع قول اللّه تعالى
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
وقوله
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
وهذا كله ليس بنص منه في وجوب الاتباع في أفعاله ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم قد اختص بأشياء لا يجوز لنا اتباعه فيها ، ولو اقتدينا به فيها كنا عاصين مأثومين . ( ف ح 2 / 165 ، 190 )
الاتباع :
واعلم أن الاتباع إنما هو فيما حده لك في قوله ورسمه ، فتمشي حيث مشى بك ، وتقف حيث وقف بك ، وتنظر فيما قال لك انظر ، وتسلّم فيما قال لك سلّم ، وتعقل فيما قال لك اعقل ، وتؤمن فيما قال لك آمن ، فإن الآيات الإلهية الواردة في الذكر الحكيم وردت متنوعة ، وتنوع لتنوعها وصف المخاطب بها ، فمنها آيات لقوم يتفكرون ، وآيات لقوم