كان من الكميات بكمية خاصة ، ولكن ورد فيه حديث فاعمل به ، كصومه صلى اللّه عليه وسلم ، كان يصوم حتى نقول : إنه لا يفطر ، ويفطر حتى نقول : إنه لا يصوم ، ولم يوقت الراوي فيه توقيتا ، فصم أنت كذلك وأفطر كذلك ، وأكثر من صوم شعبان ، ولا تتم صوم شهر قط بوجه من الوجوه إلا شهر رمضان ، وكل صوم أو فعل مأمور به - وإن لم يرد فيه فعله - فاعمل به لأمره ، وهذا معنى قول اللّه :
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
فلتتبعه في كل شيء لأن اللّه يقول :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
ما لم يخصص شيئا من ذلك بنهي عن فعله ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي ؛ وقال في الحج : خذوا عني مناسككم . ( ف ح 3 / 501 )
وأما الورث المعنوي ، فما يتعلق بباطن الأحوال ، من تطهير النفس من مذام الأخلاق ، وتحليتها بمكارم الأخلاق ، وما كان عليه صلى اللّه عليه وسلم من ذكر ربه على كل أحيانه ، وليس إلا الحضور والمراقبة لآثاره سبحانه في قلبك وفي العالم ، فلا يقع في عينك ، ولا يحصل في سمعك ، ولا يتعلق بشيء قوة من قواك ، إلا ولك في ذلك نظر واعتبار إلهي ، تعلم موقع الحكمة الإلهية في ذلك ، فهكذا كان حال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما روت عنه عائشة ، فمن الورث المعنوي ما يفتح عليك به في الفهم في الكتاب وفي حركات العالم . ( ف ح 3 / 502 )
الرخص وعدم التزام رأي مجتهد بعينه :
قد كان صلى اللّه عليه وسلم يقول : « اتركوني ما تركتكم » وقال : لو قلت نعم - للسائل عن الحج في كل عام - لوجبت ؛ وكانت الأحكام تحدث بحدوث السؤال عن النوازل ، فكان غرض النبي صلى اللّه عليه وسلم حين علم ذلك ، أن يمتنع الناس عن السؤال ، ويجرون مع طبعهم ، حتى يكون الحق هو الذي يتولى من تنزيل الأحكام ما شاء ، فكانت الواجبات والمحظورات تقل ، وتبقى الكثرة في قبيل المباحات ، التي لا يتعلق بها أجر ولا وزر ، فأبت النفوس قبول ذلك وأن تقف عند الأحكام المنصوص عليها ، فأثبتت لها عللا ، وجعلتها مقصودة للشارع وطردتها ، وألحقت المسكوت عنه في الحكم بالمنطوق به ، بعلة جامعة بينهما ، اقتضاها نظر الجاعل المجتهد ، ولو لم يفعل لبقي المسكوت عنه على أصله من الإباحة والعافية ، فكثرت