تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
حراما ولا يحرمون حلالا ، ولا يحدثون حكما ، فاستمر الشرع والعبادة المرغب فيها - مما لا ينسخ حكما ثابتا - إلى يوم القيامة ، وهذا الحكم خاص بهذه الأمة ، وأعني بالحكم تسميتها سنة تشريفا لهذه الأمة ، وكانت في حق غيرها من الأمم السالفة تسمى رهبانية ، قال تعالى
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها
فمن قال بدعة في هذه الأمة مما سماها الشارع سنة فما أصاب السنة ، إلا أن يكون ما بلغه ذلك ، والاتباع أولى من الابتداع ، والفرق بين الاتباع والابتداع معقول ، ولهذا جنح الشارع إلى تسميتها سنة وما سماها بدعة ، لأن الابتداع إظهار أمر على غير مثال ، هذا أصله ، فلو شرع الإنسان اليوم أمرا لا أصل له في الشرع لكان ذلك إبداعا ، ولم يكن يسوغ لنا الأخذ به ، فعدل الشارع إلى لفظ السنة ، إذ كانت السنة مشروعة . ( ف ح 2 / 254 - ح 1 / 329 ) فالسنن التي هي الشرائع المستحسنة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الاستحسان عند الفقهاء ، الذي قال فيه الشافعي رحمه اللّه « من استحسن فقد شرع » ، فأخذها الفقهاء منه على جهة الذم ، وهو رضي اللّه عنه نطق بحقيقة مشروعة له لم تفهم عنه ، فإنه لما صح عند الشافعي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ، ومن سن سنة سيئة - الحديث » فلا شك أن الشرع قد أباح له أن يسن بسنة حسنة ، وهي من جملة ما ورث من الأنبياء ، وهي حسنة أي يستحسنها الحق منه ، وهو سنها ، فمن استحسن أي سن سنة حسنة فقد شرع ، ويا عجبا من عدم فهم الناس كلام الشافعي في هذا ، وهم يثبتون حكم المجتهد وإن أخطأ في نفس الأمر ، وقد أقره الشارع ، وهو حكم شرعي مقبول ، لا يحل لأحد من الحكام رده ، وقواعد الشرع وأصوله تحفظه ، وكالمصالح المرسلة في مذهب مالك . ولما قرر الشارع حكمها مجملا ، وأبان أن واضعها ومتبعيه فيه مأجورون ، ونهاية التابعين فيها إلى واضعها على قدره وقدر ما سن ، نبهتك بهذا أن تكون أوقاتك معمورة بالشرائع النبوية والسنن الأصلية ، فإن التأسي برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أولى ، فإنه لا أعلى مما وضعه العالم المكمل ، الذي شهد اللّه له بالعلم به ، وأكرمه برسالته واختصاصه ، وأمرنا بالاقتداء به واتباعه ، فلا تحدث أمرا ما استطعت ، فإنك إذا سننت سنة لم يجئ مثلها عن رسول
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 86 | محمود محمود الغراب