تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
واعلم أيدك اللّه ، أن النوافل تتفاضل وتعلو بعلو فرائضها ، إذ كانت النوافل كل عمل له أصل في الفرائض ، عن ذلك الأصل يتولد وبصورته يظهر ، وما عدا النوافل فيسمى عبادة مستقلة وسننا مبتدآت . وإذا كانت النوافل تعلو بعلو فرائضها التي هي أصولها ، فأعلى نوافل التنزيه في الخيرات الصيام ، لأن فرضه صوم رمضان ، ورمضان اسم للّه ، والصوم عبادة لا مثل لها ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لشخص سأله : عليك بالصوم فإنه لا مثل له ؛ فنفى المثلية عن الصوم ، فأشبه ليس كمثله شيء ، وقال : الصوم لي ؛ وجعل جميع العبادات كلها للإنسان ، إذ كان الصوم صفة تنزيه ، ولا ينبغي التنزيه إلا له تعالى ، ففضل نوافل سائر العبادات ، فإنه يمنع من النكاح فله أثر فيه ، أي في منعه ، وكل من له قوة المنع فإن الممنوع متصف بالضعف بالنسبة إلى تلك القوة ، فإن كان لهذا الممنوع من القوة ، بحيث يؤثر في محل هذه العبادة حتى يزيل حكمها ، كان أقوى بلا شك ، فنافلة النكاح أقوى ، لما له من التأثير في إبطال الصوم والصلاة وغيرها ، والنكاح أفضل نوافل الخيرات ، وله أصل وهو النكاح المفروض ، فما زاد عليه كان نافلة ، فكان النكاح المفروض أفضل الفرائض ، ونافلته أفضل نوافل الخيرات « 1 » ، قال أبو حنيفة في النكاح : إنه أفضل نوافل الخيرات ؛ ولقد قال حقا أو صادف حقا ، كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حبب إليه النساء ، وكان أكثر الأنبياء نكاحا ، وكان النكاح أفضل نوافل الخيرات وأقربه نسبة إلى الفضل الإلهي في إيجاده العالم ، ويعظم الأجر بعظم النسب . ( ف ح 2 / 167 ، 174 ، 167 - ح 4 / 477 ) . وجعل اللّه في النوافل فرائض ، لتتأيد بها النوافل في اللحوق بالفرائض ، ولهذا تسد مسدها ، وتكمل بها الفرائض بما فيها من الفرائض ، كما ورد في الخبر الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أن اللّه يقول في موازنة الأعمال إذا لم يتم العبد فرضه ، أن يكمل له فريضته من تطوعه إن كان له تطوع ، وهو النفل ، فلذلك كان في النفل فروض ، لأن كل نفل فهو على صورة فرضه ، من صلاة وصدقة وصيام وحج واعتمار ، فله الخيار في الإتيان بالنفل ما لم يتلبس به ، فإذا تلبس به قيل له
لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ
فبالأولية في ذلك كان مختارا ، وفي
هامش
( 1 ) الفرق بين نوافل الخيرات وبين المباح هو الترجيح ، فإن الإباحة ليس فيها ترجيح ، ويلاحظ الفرق بين التعبيرين : أعلى نوافل التنزيه وأفضل نوافل الخيرات . ( ف ح 3 / 222 )
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 83 | محمود محمود الغراب