تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
لحجرها وحرمها ، فيرجح نظره في مثل هذا على ما أباح اللّه فعله ، ويرى أنه في رأيه أرجح من اللّه ميزانا ومن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هذا الذي خطر له ، وربما يغتاظ حتى يقول : أي شيء أصنع ؟ هذا شيء قد أباحه اللّه ؛ فيصبر على كره ، وحنق في نفسه على ربه ، فهو في هدنة على دخن ، وهذا أعظم ما يكون من سوء الأدب مع اللّه ، وهو ممن أضله اللّه على علم . فلو قدّرت أن يرد اللّه الحكم لهذا الشخص في هذه المسألة ، لرجح نظره على حكم اللّه ، ولو استحكم فيه سلطان الإيمان ما وجد حرجا في قلبه ، فصبر عليه مما حكم اللّه به في ذلك . يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سعد : إن سعدا لغيور ، وأنا أغير من سعد ، واللّه أغير مني ، ومن غيرته حرم الفواحش ؛ وما زاد على غيرة اللّه ، فهو في نفسه وعند نفسه أغير من اللّه في ذلك الأمر ، الذي هو عند اللّه ليس بفاحشة ، إذ لو كان فاحشة لحرمها ، فإن اللّه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، فعمّ الحكم ، فهذا شخص قد جعل فاحشة ما ليس عند اللّه فاحشة ، وأكذب اللّه فيما قال ، وجعل بغيرته التي يجدها أنه أحكم من اللّه في نصب هذا الحكم ، فلا يزال من هو بهذه المثابة معذبا في نفسه ، فما أحسن قول اللّه تعالى :
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
فلو عرض الإنسان نفسه وأدخلها في هذا الميزان ، لرأى نفسه كافرة بعيدة من الإيمان ، فإن اللّه نفى الإيمان عمن هذه صفته ، وأقسم بنفسه عليه أنه ليس بمؤمن ، فهو حكم إلهي بقسم ، تأكيدا له ، فقال
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ
فاللّه أشد غيرة من عباده ، وما قرر من الشرائع إلا ما تقع به المصلحة في العالم ، فلا يزاد فيها ولا ينقص منها ، ومهما زاد فيها أو نقص منها ، أو لم يعمل بما قرره ، فقد اختل نظام المصلحة المقصودة للّه . وأهل الاجتهاد يوم القيامة رجلان : الواحد يغلب الحرمة ، والثاني يغلب رفع الحرج عن هذه الأمة ، استمساكا بالآية ورجوعا إلى الأصل ، فهو عند اللّه أقرب إلى اللّه وأعظم منزلة من الذي يغلب الحرمة ، إذ الحرمة أمر عارض عرض للأصل ، ورافع الحرج مع الأصل . فالغيرة للّه لها موطن مخصوص شرعه له لا يتعداه ، فكل غيرة تتعدى ذلك الحد فهي خارجة عن حكم العقل ، منبعثة عن شح الطبيعة وحكم الهوى . فعليك بالغيرة الإيمانية الشرعية ، لا تزد عليها فتشقى في الدنيا والآخرة ، فأما في الدنيا فلا تزال متعوب النفس ، وأما في الآخرة بما يؤدي إلى سؤال الحق عن ذلك ، بما ينجر معها من سوء الظن ،