تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
بين عدمها ووجودها ، إذ لم يبق لها حكم عندهم ، وأي نسخ أعظم من هذا ، وإذا قلت لأحدهم في ذلك شيئا يقول لك : هذا هو المذهب ؛ وهو واللّه كاذب ، فإن صاحب المذهب قال له : إذا عارض الخبر كلامي فخذ بالحديث واترك كلامي في الحش فإن مذهبي الحديث ، فلو أنصف لكان على مذهب الشافعي من ترك كلام الشافعي للحديث المعارض - فاللّه يأخذ بيد الجميع - ولا شك ولا خفاء على كل من عرف شرع اللّه من المحدثين ، لا من الفقهاء الذين يقلدون أهل الاجتهاد - كفقهاء زماننا - ولا علم لهم بالقرآن ولا بالسنة ، وإن حفظوا القرآن ورأوا فيه ما يخالف مذهب شيخهم ، لم يلتفتوا إليه ولا عملوا به ، ولا قرؤوا على جهة اقتباس العلم ، واعتمدوا على مذهب إمامهم المخالف لهذه الآية والخبر ، ولا عذر لهم عند اللّه في ذلك ، فأول من يتبرأ منهم يوم القيامة إمامهم ، فإنهم لا يقدرون أن يثبتوا عنه أنه قال للناس قلدوني واتبعوني ، فإن ذلك من خصائص الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فإن قالوا : فاللّه أمرنا باتباعهم فقال
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
وقد سألناهم فأفتونا ، قلنا لهم : إنما نسألهم لينقلوا إلينا حكم اللّه في الأمور لا رأيهم ، فإنه قال
أَهْلَ الذِّكْرِ
وهم أهل القرآن ، فإن الذكر هو القرآن ، فإذا وجدنا الحكم عند قراءتنا القرآن مخالفا لفتواه ، تعين علينا الأخذ بكتاب اللّه أو الحديث ، وتركنا قول ذلك الإمام إلا أن ينقل إلينا ذلك الإمام الآية أو الخبر ، فيكون عملنا بالآية أو الخبر لا بقوله ، فحينئذ ليس لنا أن نعارضه بآية أخرى ولا خبر ، لعدم معرفتنا باللسان وبما يقتضيه الحكم ، فإن كان لنا علم بذلك فنحن وإياهم سواء . وإن ظهر للمجتهد النص وتركه لرأيه أو لقياسه الجلي فلا عذر له عند اللّه ، وهو مأثوم ، وأكثر ما يكون هذا في الفقهاء المقلدين ، الذين قالوا لهم : لا تقلدونا واتبعوا الحديث إذا وصل إليكم المعارض لما حكمنا به ، فإن الحديث مذهبنا ، وإن كنا لا نحكم بشيء إلا بدليل يظهر لنا في نظرنا أنه دليل ، وما يلزمنا غير ذلك ، لكن ما يلزمكم اتباعنا ، ولكن يلزمكم سؤالنا ، وفي كل وقت في النازلة الواحدة قد يتغير الحكم عند المجتهد ، ولهذا كان يقول مالك إذا سئل في نازلة : هل وقعت ؟ فإن قيل : لا ، يقول : لا أفتي ، وإن قيل : نعم ؛ أفتى . في ذلك الوقت بما أعطاه دليله ، فأبت المقلدة من الفقهاء في زماننا أن توفي حقيقة تقليدها لإمامها ، باتباعها الحديث الذي أمرها به إمامها ، وقلدته
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 75 | محمود محمود الغراب