تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤

أثر الأهواء في الاجتهاد :

اعلم أنه لما غلبت الأهواء على النفوس ، وطلبت العلماء المراتب عند الملوك ، تركوا المحجة البيضاء ، وجنحوا إلى التأويلات البعيدة ، ليمشوا أغراض الملوك فيما لهم فيه هوى نفس ، ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي ، مع كون الفقيه ربما لا يعتقد ذلك ويفتي به . فإذا رأى الشيطان الفقيه يميل إلى هوى يعرف أنه يردي عند اللّه ، زين له سوء عمله بتأويل غريب ، يمهد فيه وجها يحسنه في نظره ، ويقول له : إن الصدر الأول قد دانوا اللّه بالرأي ، وقاس العلماء في الأحكام واستنبطوا العلل للأشياء وطردوها ، وحكموا في المسكوت عنه بما حكموا به في المنصوص عليه للعلة الجامعة بينهما ، والعلة من استنباطه ، فإذا مهد له هذه السبيل ، جنح إلى نيل هواه وشهوته بوجه شرعي في زعمه ، فلا يزال هكذا فعله في كل ما له أو لسلطانه فيه هوى نفس ، ويرد الأحاديث النبوية ويقول : لو أن هذا الحديث يكون صحيحا ، وإن كان صحيحا يقول : لو لم يكن له خبر آخر يعارضه وهو ناسخ له لقال به الشافعي - إن كان هذا الفقيه شافعيا - أو لقال به أبو حنيفة - إن كان الرجل حنفيا - وهكذا أقوال أتباع هؤلاء الأئمة كلهم ، ويرون أن الحديث والأخذ به مضلة ، وأن الواجب تقليد هؤلاء الأئمة وأمثالهم فيما حكموا به ، وإن عارضت أقوالهم الأخبار النبوية ، فالأولى الرجوع إلى أقاويلهم وترك الأخذ بالأخبار والكتاب والسنة ، فإذا قلت لهم : قد روينا عن الشافعي رضي اللّه عنه أنه قال : إذا أتاكم الحديث يعارض قولي ، فاضربوا بقولي الحائط وخذوا بالحديث ، فإن مذهبي الحديث ، وقد روينا عن أبي حنيفة أنه قال لأصحابه : حرام على كل من أفتى بكلامي ما لم يعرف دليلي ، وما روينا شيئا من هذا عن أبي حنيفة إلا من طريق الحنفيين ، ولا عن الشافعي إلا من طريق الشافعية ، وكذلك المالكية والحنابلة ، فإذا ضايقتهم في مجال الكلام هربوا وسكتوا ، وقد جرى لنا هذا معهم مرارا بالمغرب والمشرق ، فما منهم أحد على مذهب من يزعم أنه على مذهبه ، فقد انتسخت الشريعة بالأهواء ، وإن كانت الأخبار موجودة مسطرة في الكتب الصحاح ، وكتب التواريخ بالتجريح والتعديل موجودة ، والأسانيد محفوظة مصونة من التغيير والتبديل ، ولكن إذا ترك العمل بها واشتغل الناس بالرأي ، ودانوا أنفسهم بفتاوى المتقدمين مع معارضة الأخبار الصحاح لها ، فلا فرق