تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
في زمانه ، لو عاش إلى اليوم كان يبدو له خلاف ما أفتى به ، فيرجع عن ذلك الحكم إلى غيره ، فلا سبيل أن يفتي في دين اللّه إلا مجتهد « 1 » ، أو بنص من كتاب أو سنة ، لا بقول إمام لا يعرف دليله . ولهذا كان من علم مالك بن أنس ودينه وورعه ، أنه إذا سئل عن مسألة في دين اللّه يقول : نزلت ؟ فإن قيل له : نعم ؛ أفتى ، وإن قيل له : لم تنزل ؛ لم يفت ، وسببه ما ذكرنا ، لأن المصيب للحكم المعين في تلك المسألة واحد لا بعينه ، والمخطىء واحد لا بعينه ، ولهذا قالت العلماء : كل مجتهد مصيب ، فإما مصيب للحكم الإلهي فيها على التعيين ، أو مصيب للحكم المقرر الذي أثبته اللّه له إذا لم يعثر على ذلك الحكم المعين وأخطأه . ( ف ح 2 / 255 ، 165 ) ولما قرر الشارع حكم المجتهد أنه حكم مشروع ، فإثبات المجتهد القياس أصلا في الشرع - بما أعطاه دليله ونظره واجتهاده - حكم شرعي لا ينبغي أن يرد عليه من ليس القياس من مذهبه ، وإن كان لا يقول به ، فإن الشارع قد قرره حكما في حق من أعطاه اجتهاده ذلك ، فمن تعرض للرد عليه فقد تعرض للرد على حكم قد أثبته الشارع « 2 » ، وكذلك صاحب القياس ، إن رد على حكم الظاهري في استمساكه بالظاهر الذي أعطاه اجتهاده ، فقد رد أيضا حكما قرره الشارع ، فليلزم كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده ولا يتعرض إلى تخطئة من خالفه ، فإن ذلك سوء أدب مع الشارع ، ولا ينبغي لعلماء الشريعة أن يسيؤوا الأدب مع الشرع فيما قرره . فليس لمجتهد أن يرد مجتهدا آخر إلى حكم ما أعطاه دليله ، ولا لمقلد مجتهد أن يرد مقلد مجتهد آخر عن مسألته التي قلد فيها إمامه . ولهذا لا ينبغي لنا أن نطعن في حكم مجتهد ، لأن الشرع الذي هو حكم اللّه قد قرر ذلك الحكم ، فهو شرع اللّه بتقريره إياه ، وهي مسألة يقع في محظورها أصحاب المذاهب كلهم ، لعدم استحضارهم لما نبهنا عليه مع كونهم عالمين به ، ولكنهم غفلوا عن استحضاره ، فأساؤوا الأدب مع اللّه في ذلك ، حين فاز بذلك الأدباء من عباد اللّه ، فمن خطأ مجتهدا بعينه فقد خطأ الحق فيما قرره حكما . ( ف ح 1 / 472 ، 523 ، 348 )
هامش
( 1 ) راجع لا يجوز الفتيا بالتقليد . ( 2 ) راجع الحاشية في القياس .