التقليد لمن لا علم له وعدم التزام مذهب بعينه :
قد أمر من لا علم له بالحكم الإلهي أن يسأل أهل الذكر ، فيفتونه بما أداهم إليه اجتهادهم وإن اختلفوا كما اختلفت الشرائع
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
وكذلك لكل مجتهد جعل له شرعة من دليله ومنهاجا ، وهو عين دليله في إثبات الحكم ، ويحرم عليه العدول عنه ، وقرر الشرع الإلهي ذلك كله ، فحرم الشافعي ما أحله الحنفي ، وأجاز أبو حنيفة عين ما منعه أحمد بن حنبل ، فأجاز هذا ما لم يجز هذا ، فاتفقوا في أشياء واختلفوا في أشياء ، وكل في هذه الأمة شرع مقرر لنا « 1 » من عند اللّه ، مع علمنا أن مرتبتهم دون مرتبة الرسل الموحى إليهم من عند اللّه ، حيث حجر الاجتهاد على الأنبياء فيما شرعه . فالمقلد مطلق فيما يجيء به المجتهدون ، ويختار ما يشاء ، فله الاتساع في الشرع . فإن كنت مقلدا فإياك أن تلتزم مذهبا بعينه ، بل اعمل كما أمرك اللّه ، فإن اللّه أمرك أن تسأل أهل الذكر إن كنت لا تعلم ، وأهل الذكر هم العلماء بالكتاب والسنة ، فإن الذكر القرآن بالنص ، واطلب رفع الحرج في نازلتك ما استطعت ، فإن اللّه يقول
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
وقال صلى اللّه عليه وسلم « دين اللّه يسر » فاسأل عن الرخصة في المسئلة حتى تجدها ، فإذا وجدتها اعمل بها ، وإن قال لك المفتي : هذا حكم اللّه أو حكم رسوله في مسئلتك فخذ به ، وإن قال لك :
هذا رأيي فلا تأخذ به وسل غيره ، وإن أردت أن تأخذ بالعزائم في نوازلك فافعل ، ولكن فيما يختص بك ، ورفع الحرج هو السنة . ( ف ح 2 / 252 - ح 4 / 142 ، 491 )
أجر المقلد إذا أخطأ المجتهد :
قال تعالى
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
وأهل الذكر هم أهل القرآن ، فإن اللّه تعالى يقول
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وهو القرآن ، وهم أهل الاجتهاد ، ومنهم المصيب والمخطىء ، فإذا سأل المقلد من أخطأ من أهل الاجتهاد في نفس الأمر ، وعمل بما أفتاه فإنه مأجور ، لأنه مأمور بالسؤال . ( ف ح 3 / 309 )
هامش
( 1 ) راجع ما سبق من الحواشي وذلك تقرير التقليد للعامي ( راجع الرخص ) .