تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
الرسول صلى اللّه عليه وسلم حيا لحكم به ، مع أنه قرر حكم المجتهد وإن أخطأ ، فما أخطأ إلا في الاستعداد ، فلو أصاب في الاستعداد ما أخطأ مجتهد أبدا ، بل لا يكون مجتهدا في الحكم ، وإنما هو ناقل ما قبله من الحق النازل عليه . كان محمد صلى اللّه عليه وسلم أعظم خليفة وأكبر إمام ، وكانت أمته خير أمة أخرجت للناس ، وجعل اللّه ورثته في منازل الأنبياء والرسل ، فأباح لهم الاجتهاد في الأحكام ، فهو تشريع عن خبر الشارع ، فكل مجتهد مصيب « 1 » كما أنه كل نبي معصوم ، وتعبدهم اللّه بذلك ، ليحصل لهذه الأمة نصيب من التشريع ، وتثبت لهم فيه قدم ، فلم يتقدم عليهم سوى نبيهم صلى اللّه عليه وسلم ، فتحشر علماء هذه الأمة حفاظ الشريعة المحمدية ، في صفوف الأنبياء لا في صفوف الأمم ، فهم شهداء على الناس ، وهذا نص في عدالتهم . فإن كنت من أهل الاجتهاد في الاستنباط للأحكام الشرعية ، فأنت وارث نبوة شرعية ، فإن اللّه تعالى شرع لك في تقرير ما أدى إليه اجتهادك ودليلك من الحكم ، أن تشرعه لنفسك وتفتي به غيرك إذا سئلت ، وإن لم تسأل فلا ، فإن ذلك أيضا من الشرع الذي أذن اللّه لك فيه ، ما هو من الشرع الذي لم يأذن به اللّه . واعلم أن الاجتهاد ما هو في أن تحدث حكما ، هذا غلط ، وإنما الاجتهاد المشروع في طلب الدليل ، من كتاب أو سنة أو إجماع وفهم عربي ، على إثبات حكم في تلك المسئلة بذلك الدليل ، الذي اجتهدت في تحصيله والعلم به في زعمك ، هذا هو الاجتهاد ، فإن اللّه تعالى ورسوله ما ترك شيئا إلا وقد نص عليه ولم يتركه مهملا ، فإن اللّه تعالى يقول
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وبعد ثبوت الكمال فلا يقبل الزيادة ، فإن الزيادة في الدين نقص من الدين ، وذلك هو الشرع الذي لم يأذن به اللّه . قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
ولم يقل بما رأيت ، بل عتبه سبحانه وتعالى لما حرم على نفسه باليمين في قضية عائشة وحفصة ، فقال تعالى
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ
فكان هذا مما أرته نفسه ، فهذا يدلك على أن قوله تعالى
بِما أَراكَ اللَّهُ
أنه بما يوحى به إليه ، لا ما يراه في رأيه ، فلو كان الدين بالرأي لكان رأي النبي صلى اللّه عليه وسلم أولى من رأي كل ذي رأي ، فإذا كان هذا حال النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما أرته نفسه ، فكيف رأي من ليس بمعصوم ، ومن الخطأ أقرب إليه من الإصابة ؟ فدل أن الاجتهاد الذي
هامش
( 1 ) راجع المعنى ص 73 .