ذكره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنما هو طلب الدليل على تعيين الحكم في المسئلة الواقعة ، لا في تشريع حكم في النازلة ، فإن ذلك شرع لم يأذن به اللّه . فاجتهاد علماء الأمة هو استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ، وأعني بالسنة الحديث لا من قياس ، وأعني بالقياس هنا ، قياس فرع على فرع ، لا قياس فرع على أصل ، فإن قياس الفرع على الأصل هو المستنبط ، الذي يثبت بالاجتهاد وجعله الفقهاء أصلا رابعا ، كما جعلوا الإجماع أصلا ثالثا . ولولا أن الشارع قرر حكم المجتهد من علماء هذه الأمة ما ثبت له حكم . فالمجتهدون من علماء الشريعة ورثة الرسل في التشريع ، وأدلتهم تقوم لهم مقام الوحي للأنبياء ، واختلاف الأحكام كاختلاف الأحكام ، إلا أنهم ليسوا مثل الرسل . فاختص اللّه هذه الأمة أعني علماءها ، بأن شرع لهم الاجتهاد في الأحكام ، وقرر حكم ما أداه إليه اجتهادهم ، وتعبدهم به وتعبد من قلدهم به « 1 » ، كما كان حكم الشرائع للأنبياء ومقلديهم ، ولم يكن مثل هذا لأمة نبي ما لم يكن نبيا بوحي منزل ، فجعل اللّه وحي علماء هذه الأمة في اجتهادهم ، كما قال لنبيه عليه السلام
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
فالمجتهد ما حكم إلا بما أراه اللّه في اجتهاده .
( ف ح 3 / 270 ، 400 ، 502 ، 69 - ح 4 / 75 - ح 3 / 401 - ح 2 / 261 - ح 1 / 545 )
الاجتهاد في الأصول والفروع :
وحكم المجتهد في الأصول والفروع واحد ، والحق في الفروع ، حيث قرره الشرع ، وقد قرر حكم المجتهد ، ولا يقرر إلا ما هو حق ، فكله حق . فتشريع الاجتهاد في الحكم في الأصول والفروع ، ومراعاة الاختلاف وثبوت الحكم من جانب الحق ، بإثباته إياه أنه حكم شرعي في حق المجتهد ، تحرم عليه مخالفته ، مع التقابل في الأحكام ، فقرر الحكمين المتقابلين ، وجعل المجتهدين في ذلك مأجورين ، فشرع المجتهد من الشرع الذي أذن اللّه فيه لهذه الأمة المحمدية أن يشرعه . ولا شك أن المجتهد الذي أخطأ في اجتهاده في الأصول ، يقطع أنه على برهان فيما أداه إليه نظره ، وإن كان ليس ببرهان في نفس الأمر ، فقد يعذره اللّه تعالى لقطعه بذلك عن اجتهاده ، كما قطع الصاحب أنه رأى دحية وكان
هامش
( 1 ) هذا يوضح أن ما قاله الشيخ بعدم جواز تقليد حي أو ميت ، أنه يعني بذلك أهل الاجتهاد والفتيا ، لا العامة ولا من لا علم له ، بخلاف ما يذهب إليه ابن حزم .