سأل العالم أن يقول له : أريد حكم اللّه أو حكم رسوله في هذه المسئلة ، فإن قال له المسؤول :
هذا حكم اللّه في المسئلة أو حكم رسوله ، تعين عليه الأخذ به ، فإن المسؤول هنا ناقل حكم اللّه وحكم رسوله الذي أمرنا بالأخذ به ، فإن قال : هذا رأيي أو هذا حكم رأيته ، أو ما عندي في هذه المسئلة حكم منطوق به ، ولكن القياس يعطي أن يكون الحكم فيه مثل الحكم في المسئلة الفلانية المنطوق بحكمها ، لم يجز للسائل أن يأخذ بقوله ، ويبحث عن أهل الذكر ، فيسألهم على صفة ما قلنا ، ويتعين على كل مسلم أن لا يسأل إلا أهل الذكر - وهم أهل القرآن ، قال تعالى
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
- وأهل الحديث ، فإن علم السائل أن هذا المسؤول صاحب رأي وقياس فيتركه ، ويسأل صاحب الحديث ، فإن كان المسؤول صاحب رأي وقياس وحديث فيسأله ، فإذا أفتاه تعين عليه أن يقول له : هذا الحكم رأي أو قياس أو عن حديث ؛ فإن قال عن رأي أو قياس تركه ، وإن قال عن خبر أخذ به ، وإن قال المسؤول : هذا رأيي ؛ كما يقول أصحاب الرأي في كتبهم ، فإنه يحرم عليه اتباعه فيه ، فإن اللّه ما تعبده إلا بما شرع له من كتاب أو سنة ، وما تعبد اللّه أحدا برأي أحد . قال تعالى
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا ، أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
في هذا تحريض على النظر في الأدلة ، وذم التقليد في الأصول والفروع ، فإنه عمّ بقوله
ما أَنْزَلَ اللَّهُ
فدخل تحته جميع الأحكام وهو الأوجه ، فإن الأصول تثبت بالأدلة العقلية ، ولا يحتاج فيها إلى إنزال وحي من اللّه ، وهو قوله
ما أَنْزَلَ اللَّهُ
فعمّ ، فحمله على ذم التقليد في الفروع أوجه وأولى ، فلا يبقى من التقليد إلا نقل الدليل من المفتي إلى السائل ، عن اللّه أو عن رسوله أو الإجماع في المسئلة التي يسأل فيها ،
هامش
- العبارة على قول الظاهرية بعدم التقليد مطلقا ، يتضح أن هذه العبارة التي أوردها الشيخ إنما هي في عدم الفتيا بالتقليد كما أوضحنا ، ويلاحظ أن المرحوم جمال الدين القاسمي ، قدم رسالته بقوله « رسالة في أصول الفقه تأليف العالم الراسخ الكامل الشيخ محي الدين ابن عربي الأندلسي عليه الرحمة » ويترجم فيها الشيخ ترجمة مختصرة ، يقول في هامش الصحيفة رقم 18 : لم ير قدس سره الاستحسان . . الخ . . فيشير بكلامه وأدبه مع الشيخ قدس سره إلى معرفته بمكانته العلمية ورفيع درجته الفقهية .