تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
الكرامة ، فاعلم ذلك . وما أظهر اللّه عليهم من الأحوال فذلك إلى اللّه ، لا عن تعمل ولا قصد من العبد ، وهو المسمى كرامة في الأمة ، فالذي يجهد فيه ولي اللّه وطالبه ، إنما هو فتح ذلك الباب ، ليكون من اللّه في أحواله عند نفسه على بصيرة ، لا أنه يظهر بذلك عند خلقه ، فهو على نور من ربه ، وثابت في مقامه لا يزلزله إلا هو ، فكرامة مثل هذا النوع علمه باللّه ، وما يتعلق به من التفصيل في أسمائه الحسنى وكلماته العليا . ( ف ح 3 / 458 ، 36 ، 458 ) لذلك فإن المكر الإلهي في خصوص الخصوص ، هو في إظهار الآيات وخرق العوائد من غير أمر ولا حدّ ، الذي هو ميزانها ، فإنه لما وجب على الأولياء سترها ، كما وجب في الرسل إظهارها ، إذا مكّن الولي منها وأعطي عين التحكم في العالم ، يطلب الممكور به لنقص حظ عن درجة غيره ، يريد الحق ذلك به ، وجعل فيهم طلبا لطريق إظهارها ، من حيث لا يشعر أن ذلك مكر إلهي يؤدي إلى نقص حظ ، فوقع الإلهام في النفس بما في إظهار الآيات على أيديهم ، من انقياد الخلق إلى اللّه عز وجل . وإنقاذ الغرقى من بحار الذنوب المهلكة ، وأخذهم عن المألوفات ، وأن ذلك من أكبر ما يدعى به إلى اللّه ، ولهذا كان من نعت الأنبياء والرسل ، ويرى في نفسه أنه من الورثة ، وأن هذا من ورث الأحوال ، فيحجبهم ذلك عما أوجب اللّه على الأولياء من ستر هذه الآيات مع قوتهم عليها ، وغيبهم عن ما أوجب اللّه على الرسل من إظهارها ، لكونهم مأمورين بالدعاء إلى اللّه ابتداء ، والولي ليس كذلك ، إنما يدعو إلى اللّه بحكاية دعوة الرسول ولسانه ، لا بلسان يحدثه كما يحدث لرسول آخر ، والشرع مقرر من عند العلماء به ، فالرسول على بصيرة في الدعاء إلى اللّه بما أعلمه اللّه من الأحكام المشروعة ، والولي على بصيرة في الدعاء إلى اللّه بحكم الاتباع لا بحكم التشريع ، فلا يحتاج إلى آية ولا بينة ، فإنه لو قال ما يخالف حكم الرسول لم يتّبع في ذلك ، ولا كان على بصيرة ، فلا فائدة لإظهار الآية ، بخلاف الرسول فإنه ينشئ التشريع ، وينسخ بعض شرع مقرر على يد غيره من الرسل ، فلابد من إظهار آية وعلامة تكون دليلا على صدقه ، أنه يخبر عن اللّه إزالة ما قرره اللّه حكما على لسان رسول آخر ، إعلاما بانتهاء مدة الحكم في تلك المسئلة ، فيكون الولي بإظهار الآية مع خصوصيته قد ترك واجبا ، فنقصه من مرتبته ما يعطيه الوقوف مع ذلك الواجب والعمل به ، فلا شيء أضر بالعبد من التأويل
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 43 | محمود محمود الغراب