تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
أوقاتها ، والمسارعة إلى الخيرات ، وإزالة الغل والحقد من صدره للناس والحسد وسوء الظن ، وطهارة القلب من كل صفة مذمومة ، وتحليته بالمراقبة مع الأنفاس ، ومراعاة حقوق اللّه في نفسه وفي الأشياء ، وتفقد آثار ربه في قلبه ، ومراعاة أنفاسه في خروجها ودخولها ، فيتلقاها بالأدب إذا وردت عليه ، ويخرجها وعليها خلعة الحضور ، فهذه كلها عندنا كرامات الأولياء المعنوية ، التي لا يدخلها مكر ولا استدراج ، بل هي دليل على الوفاء بالعهود وصحة القصد ، والرضا بالقضاء في عدم المطلوب ووجود المكروه ، ولا يشاركك في هذه الكرامات ، إلا الملائكة المقربون وأهل اللّه المصطفون الأخيار ، وأما الكرامات التي ذكرنا أن العامة تعرفها ، فكلها يمكن أن يدخلها المكر الخفي ، ثم إنا إذا فرضناها كرامة فلابد أن تكون نتيجة عن استقامة ، أو تنتج استقامة ، لابد من ذلك ، وإلا فليست بكرامة ، وإذا كانت الكرامة نتيجة استقامة ، فقد يمكن أن يجعلها اللّه حظ عملك وجزاء فعلك ، فإذا قدمت عليه يمكن أن يحاسبك بها ، وما ذكرناه من الكرامات المعنوية فلا يدخلها شيء مما ذكرناه ، فإن العلم يصحبها ، وقوة العلم وشرفه تعطيك أن المكر لا يدخلها ، فإن الحدود الشرعية لا تنصب حبالة للمكر الإلهي ، فإنها عين الطريق الواضحة إلى نيل السعادة ، والعلم يعصمك من العجب بعملك ، فإن العلم من شرفه أن يستعملك ، وإذا استعملك جردك منه وأضاف ذلك إلى اللّه ، وأعلمك أن بتوفيقه وهدايته ، ظهر منك ما ظهر من طاعته والحفظ لحدوده ، فإذا ظهر عليه شيء من كرامات العامة ضج إلى اللّه منها ، وسأل اللّه ستره بالعوائد ، وأن لا يتميز عن العامة بأمر يشار إليه فيه ، ما عدا العلم ، لأن العلم هو المطلوب ، وبه تقع المنفعة ولو لم يعمل به ، فالعلماء هم الآمنون من التلبيس ، وأسنى ما أكرمهم به من الكرامات العلم خاصة ، لأن الدنيا موطنه ، وأما غير ذلك من خرق العادات ، فليست الدنيا بموطن لها ، ولا يصح كون ذلك كرامة إلا بتعريف إلهي ، لا بمجرد خرق العادة ، فإذا لم تصح إلا بتعريف إلهي فذلك هو العلم ، فالكرامة الإلهية إنما هي ما يهبهم من العلم به عز وجل ، وما أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يطلب منه الزيادة من شيء إلا من العلم ، لأن الخير كله فيه ، وهو الكرامة العظمى ، والبطالة مع العلم أحسن من الجهل مع العمل ، وأسباب حصول العلم كثيرة ، ولا أعني بالعلم إلا العلم باللّه والدار
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 41 | محمود محمود الغراب