الأكثرون ، ونبغت طائفة ثالثة ضلت وأضلت ، فأخذت الأحكام الشرعية وصرفتها في بواطنهم ، وما تركت من حكم الشريعة في الظواهر شيئا تسمى الباطنية ، وهم في ذلك على مذاهب مختلفة ، وقد ذكر الإمام أبو حامد في كتابه المستظهر له - في الرد عليهم - شيئا من مذاهبهم ، وبيّن خطأهم فيها ، والسعادة إنما هي مع أهل الظاهر ، وهم في الطرف والنقيض من أهل الباطن ، والسعادة كل السعادة مع الطائفة التي جمعت بين الظاهر والباطن ، وهم العلماء باللّه وبأحكامه . واعلم أن الظاهر يسري في الباطن ، وليس في الباطن أمر مشروع يسري في الظاهر ، بل هو عليه مقصور ، فإن الباطن معان كلها ، والظاهر أفعال محسوسة ، فينتقل من المحسوس إلى المعنى ، ولا ينتقل من المعنى إلى الحس « 1 » ، فالكامل من أهل الشرع هو الذي أحكم العلم والعمل ، فجمع بين الظاهر والباطن ، والناقص منهم هم الفقهاء ، الذين يعلمون ولا يعملون ، ويقولون بالظاهر ولا يعرفون الباطن ، كما قال تعالى
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ .
( ف ح 1 / 334 ، 338 ، 524 )
الظاهرية والباطنية :
لا يخلو الإنسان أن يكون واحدا من ثلاثة بالنظر إلى الشرع : وهو إما أن يكون باطنيا محضا ، وهو القائل بتجريد التوحيد عندنا حالا وفعلا ، وهي الطائفة التي فرت في الباري إذا قيل لها إنه موجود إلى ليس بمعدوم ، وما علمت أنها وقعت في عين ما فرت منه ، فإنه أيضا كما ينطلق على الموجود الحادث لفظة موجود ينطلق عليه اسم ليس بمعدوم ، فقد وقعت الشركة في أنه ليس بمعدوم ، وكذا جميع ما يسأل عنه الباطني ، ولهذا كانوا أجهل الناس بالحقائق . وتجريد التوحيد يؤدي إلى تعطيل أحكام الشرع كالباطنية ، والعدول عما
هامش
( 1 ) يعني أن الاعتبار يسري من الحس إلى الباطن ، فكل عمل مشروع في ظاهر الحس له اعتبار في باطن الإنسان ، وهو ما يسمى الاعتبار والعبرة ، وليس للمعنى الباطن اعتبار في الظاهر ، ومن وجه آخر ، فإن الظاهر وهو المحسوس يسري في الباطن وهو المعنى ، مثل الوضوء يغسل الذنوب ويسقطها من الجوارح ، ولا يسري الباطن وهو المعنى في المحسوس ، مثل التوحيد وهو معنى ، فليس كل مؤمن معصوم من المعصية بجوارحه - راجع الهامش السابق .