تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
ليست له مرتبة العلم بكل ما يجري في ملكه ، ولا يعلم المحق من المبطل ، وإنما هو بحسب ما تقوله البينة ، كما يفعله اللّه مع خلقه مع علمه ، يقيم على خلقه يوم القيامة الشهود ، فلا يعاقبهم إلا بعد إقامة البينة عليهم مع علمه ، وبهذا قال من قال : إنه ليس للحاكم أن يحكم بعلمه ، أما في العالم فللتهمة بما له من الغرض ، وأما في جانب الحق فلإقامة الحجة على المحكوم عليه ، حتى لا يأخذه في الآخرة إلا بما شرع له من الحكم به في الدنيا على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ولهذا يقول الرسول لربه عن أمر ربه
رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ
يعني بالحق الذي بعثتني به وشرعت لي أن أحكم به فيهم ، فيترك الحاكم حكمه بما يعلم ويحكم بقول الشهود ، وليس ذلك عندنا إلا في الأموال « 1 » ، لا في النفوس ولا في إقامة الحدود ، وعندي في هذه المسألة لو كنت عالما بأمر ما ، وشهد الشهود بخلاف علمي ، ولا يجوز لي أن أحكم بعلمي - إذا كنت ممن يقول بذلك - استنبت في الحكم من لا علم له بالأمر ، وتركت الحكم فيه ، وهذا هو الوجه الصحيح عندي والذي أعمل به ، وإن كان في النفس منه شيء ، وهذا عندي في الحكم في الأموال « 1 » ، وأما الحكم في الأبدان فلا أحكم إلا بعلمي إذا علمت البراءة ، فإن لم تكن البراءة وعلمت صدق المفتري « 2 » حكمت بالشهود وتركت علمي « 1 » . وأما في حق أهل الإدراك الشمي ، وهم الذين يشمون النتن من الكاذب ، وهم أهل الروائح ، فإن كان حاكما وهو من أهل هذا المقام وله هذه الحال ، وشهد عنده بالزور في حكومة ، تعين عليه أن لا يمضي الحكم للمشهود له ، وإن حكم له فإنه آثم عند اللّه ، وهذه مسألة عظيمة الفائدة لأهل الأذواق ، فإن الحاكم وإن لم يحكم بعلمه ، فلا يجوز له أن يخالف علمه أصلا ، وذلك في الأموال ، وأما في الأبشار فما يجب عليه إمضاء الحكم على المحكوم عليه ، لأمر آخر لا أحتاج إلى بيانه ، فإن كنا عالمين ممن يدعو على بصيرة وعلى بينة من ربنا ، فنحكم في المسألة بالعلم ، وهو رد إلى اللّه تعالى من غير طريق الإيمان « يعني من طريق العلم » وليس لنا العدول عنه البتة . ( ف ح 3 / 475 - ح 1 / 654 - ح 3 / 167 )
هامش
( 1 ) فرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود ( مسألة 1796 - المحلى لابن حزم ) . ( 2 ) يعني المدعي .