المكلفين ، فالخمر ليس عين الذنب والإثم ولا الميسر ، ولكن الإثم استعمال ذلك ، وهو شرب الخمر ، وهو فعل المكلف ، فقول اللّه تعالى
فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ
أي في استعمالهما ، وإذا فعل الإنسان ما وجب عليه أو ما أبيح له ، لا يقال بأنه أثم بهذا الفعل ، ولا خلاف في ذلك ، وإنما يأثم في الشرع إذا فعل فعلا حرم الشرع عليه ذلك الفعل ، فكان قوله تعالى
فِيهِما إِثْمٌ
نص في التحريم في الاستعمال ، وما خص شيئا من شيء ، وأما من يجعل الإثم اسما من أسماء الخمر ويحتج بقول الشاعر :
شربت الإثم حتى ضل عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول
فلا ننكر أن تسمى إثما ، فإن وضع الأسماء غير ممنوع إلا في أسماء اللّه ، ولكن كلامنا في الإثم المذكور في هذه ، وبطلان من يحتج بذلك في هذه الآية من وجهين ، الواحد أنه أدخل الميسر في الإثمية ، ولا يسمى الميسر إثما كما سموا الخمر ، والوجه الثاني أنك إذا فسرت الإثم بأنه اسم الخمر ، فكأنه يقول : ويسألونك عن الخمر قل فيه خمر ؛ نعم أن يتوجه أن يريد اللّه بالإثم اسم الخمر في قوله
إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ
فقد يكون هنا الإثم اسم الخمر ، والصحيح أنه كل ما يأثم به فاعله من المكلفين ، ثم إنه أكد ذلك بقوله
كَبِيرٌ
فجعله من الكبائر ، والعجب ممن يقول ما ورد في القرآن تحريمها ، وأي شيء أبين من هذا ، وقوله تعالى
وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
زاد بالتكرار تأكيد الإثم ، فزاد تأكيد التحريم . ( إيجاز البيان / سورة البقرة - آية 219 )
التداوي بالخمر :
من المنافع التي في الخمر ما تعرفه الأطباء ، فإنهم أطبقوا على الثناء عليها بالمنافع التي أودع اللّه فيها ، ونحن نجوز التداوي بها والعدول إليها في الأمراض الشديدة ، التي لا يقوم فيها بدلها من غيرها ، والذي يحتج علينا بقوله عليه السلام : إن اللّه ما جعل شفاء أمته فيما حرم عليها ؛ فصحيح ذلك ، ولكن المضطر ما هو محرم عليه استعمال ما اضطر إليه .
( إيجاز البيان / سورة البقرة - آية 219 )