تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
الشريعة لما ظهر من أحكام الحقيقة ، وجعلوا الحقيقة لما بطن من أحكامها ، لما كان الشارع - الذي هو الحق - قد تسمى بالظاهر وبالباطن ، وهذان الاسمان له حقيقة . فالشريعة لب العقل ، والحقيقة لب الشريعة ، فهي كالدهن في اللب الذي يحفظه القشر ، فاللب يحفظ الدهن ، والقشر يحفظ اللب ، كذلك العقل يحفظ الشريعة ، والشريعة تحفظ الحقيقة ، فمن أدعى شرعا بغير عقل لم تصح دعواه ، فإن اللّه ما كلف إلا من استحكم عقله ، ما كلف مجنونا ولا صبيا ولا من خرف من الكبر ، ومن ادعى حقيقة من غير شريعة فدعواه لا تصح . والمعصوم المحفوظ يسعى من نور الحقيقة ، سواء علمها أو لم يعلمها ، فيكشفها بنور الحقيقة ، ويكشف أنه سعى منه ، ثم ينكشف له النور الذي يسعى إليه وهو الشريعة ، فصاحب هذا المقام هو المعصوم المحفوظ المعتنى به ، العالم الذي لا يجهل ، لاتصافه بالعلم الذي لا جهل فيه ، فإن ثمّ عبيدا يسعون من نور الشريعة إلى نور الحقيقة ، ويخاف عليهم ، وهؤلاء الذين يسعون على كشف من نور الحقيقة إلى نور الشريعة آمنون من هذا المكر الإلهي ، فهم على بصيرة من أمرهم ، وهؤلائك تحت خطر عظيم ، يمكن أن يعصموا فيه ويمكن أن يخذلوا . فنور الشرع هو الذي قال فيه تعالى
نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
وقال
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
وقال
نُورٌ عَلى نُورٍ
فإذا اجتمع نور الشرع مع نور بصر التوفيق والهداية ، بان الطريق بالنورين ، فلو كان نورا واحدا لما ظهر له ضوء ، ولا شك أن نور الشرع قد ظهر كظهور نور الشمس ، ولكن الأعمى لا يبصره ، كذلك من أعمى اللّه بصيرته لم يدركه فلم يؤمن به ، ولو كان نور عين البصيرة موجودا ، ولم يظهر للشرع نور ، بحيث أن يجتمع النوران ، فيحدث الضوء في الطريق ، لما رأى صاحب نور البصيرة كيف يسلك ، لأنه في طريق مجهولة لا يعرف ما فيها ، ولا أين تنتهي به من غير دليل وموقّف ؟ فهذا الشخص الماشي في هذه الطريق ، إن لم يحفظ سراجه من الأهواء أن تطفئه بهبوبها ، وإلا هبت عليه رياح زعازع فأطفأت سراجه وذهب نوره ، وهو كل ريح يؤثر في نور توحيده وإيمانه ، فإن هبت رياح لينة تميل لسان سراجه وتحيره ، حتى يتحير عليه الضوء في مشاهدة الطريق ، فتلك الريح كمتابعة الهوى في فروع الشريعة ، وهي المعاصي التي لا يكفر بها الإنسان ولا تقدح في توحيده وإيمانه ، فلقد خلقنا لأمر عظيم ، ولكن إذا اقتحمنا الشدائد
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 38 | محمود محمود الغراب