تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
ذلك سقطت ، والضرر بإسقاط الحد في مثله أظهر ، كولي المقتول إذا عفا عن قاتله فليس للإمام أن يقتله ، وأمثال هذا من الخفة والإسقاط ، فيضعف قول من يقول : وضعت الحدود للزجر ؛ فإن إتلاف النفس أشد من إتلاف المال ، وإن عفا ولي المقتول لا يقتل قاتله ، وإن عفا رب المال المسروق ، أو وجد عند السارق عين المال ، يرد على ربه ، ومع هذا فلابد أن تقطع يده على كل حال ، وليس للحاكم أن يترك ذلك ، ومن هنا تعرف أن حق اللّه في الأشياء أعظم من حق المخلوق فيها ، بخلاف ما تعتقده الفقهاء ، قال صلى اللّه عليه وسلم : حق اللّه أحق أن يقضى ، فمؤاخذات الحق عباده في الدنيا والآخرة تطهير ورحمة ، وكذلك إقامة الحدود في الدنيا كلها تطهير للمؤمنين ، فمن انتقم منه في إقامة الحد من قتل أو ضرب فهو عذاب حاضر ، فيه رحمة باطنة ، بها ارتفعت عنه المطالبة في الدار الآخرة . ( ف ح 1 / 620 ، 734 - ح 2 / 329 - ح 1 / 215 )

إقامة الحدود :

اعلم أن غير الحاكم ما عيّن اللّه له إقامة الحد ، فلا ينبغي أن يقوم به غضب عند تعدي الحدود ، فليس ذلك إلا للحاكم خاصة ، ولرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حيث ما هو حاكم ، فلو كان مبلغا لا حاكما لم يقم به غضب على من رد دعوته ، فإنه ليس له من الأمر شيء ، وليس عليه هداهم ، فإن اللّه يقول في هذا للرسول صلى اللّه عليه وسلم
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
وقد بلّغ ، فأسمع اللّه من شاء وأصم من شاء ، فإن كان الرسول حاكما ، تعين عليه الحكم بما عين اللّه له فيه ، فيقيم الحدود بأمر الحق لا بنفسه ، ولهذا ليس للعبد أن يؤقت حدا ولا يشرعه ، فتقيم الحد إذا كنت من أولي الأمر فيمن عين لك أن تقيمه ، حتى لو تركته لكنت عاصيا مخالفا أمر اللّه ، فإن إقامة الحدود شرع من عند اللّه ، ما للإنسان فيه تعمل . ( ف ح 3 / 334 - ح 4 / 47 - ح 3 / 551 ) وجاء الميزان في إقامة الحدود ، فأزال حكم الرأفة من المؤمن ، فإن رأف في إقامة الحد ، فليس بمؤمن ولا استعمل الميزان ، وكان من الذين يخسرون الميزان ، فيتوجه عليه بهذه الرأفة اللوم ، حيث عدل بها عن ميزانها ، فإن اللّه يقول
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ .
( ف ح 4 / 234 )
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 406 | محمود محمود الغراب