في مثل طه وفي مثل القيامة لا * تعدل به أدبا إن كنت ذا نظر
هذي وصيتنا فالزم طريقتها * فإنما أنت في الدنيا على سفر
( ف ح 4 / 399 )
الحقيقة والشريعة :
ما نال من جعل الشريعة جانبا * شيئا ولو بلغ السماء مناره
خذ من علوم الشريعة على قدر ما تمس الحاجة إليه ، مما يفرض عليك طلبه خاصة ، وقل رب زدني علما على الدوام دنيا وآخرة . فقد ختم اللّه بمحمد صلى اللّه عليه وسلم جميع الرسل عليهم السلام ، وختم بشرعه جميع الشرائع ، فلا رسول بعده بشرع ، ولا شريعة بعد شريعته تنزل من عند اللّه ، إلا ما قرره شرعه من اجتهاد علماء أمته ، في استنباط الأحكام من كتابه وسنة نبيه . وما ثمّ حقيقة تخالف شريعة ، لأن الشريعة من جملة الحقائق . فهي حقيقة لكن تسمى شريعة ، وهي حق كلها ، والحاكم بها حاكم بحق ، مثاب عند اللّه ، لأنه حكم بما كلف أن يحكم به ، وإن كان المحكوم له على باطل والمحكوم عليه على حق . فعين الشريعة عين الحقيقة ، والشريعة حق ، ولكل حق حقيقة ، فحق الشريعة وجود عينها ، وحقيقتها ما تنزل في الشهود منزلة شهود عينها في باطن الأمر ، فتكون في الباطن كما هي في الظاهر من غير مزيد . فالشريعة هي الحقيقة . ولكن تخيل من لا يعرف أن الشريعة تخالف الحقيقة ، وهيهات لما تخيلوه ، بل الحقيقة عين الشريعة ، فإن الشريعة جسم وروح ، فجسمها علم الأحكام ، وروحها الحقيقة ، فما ثمّ إلا شرع ، وثمّ موطن يجمع فيه بين الشريعة التي هي علم الأحكام بالدنيا ، وبين الحقيقة التي هي علم الآخرة وأحكام الحق بها ، فيكون علم الأحكام مسؤولا . ولما كانت الفطر مختلفة متفاضلة ، بحسب ما ألقى اللّه عندها ، فإنها على أقسام ، أصلها المزاج الذي ركبه اللّه عليه ، وهو السبب في اختلاف نظر العلماء بأفكارهم في المعقولات ، فقليل من العلماء من يتصور التجريد الكلي عن المواد ، ولهذا أكثر الشريعة جاءت على فهم العامة ، وتأتي فيها تلويحات للخاصة ، مثل قوله تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
و
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ .
ولما رأى القوم أنهم عاملون بالشريعة خصوصا وعموما ، ورأوا أن الحقيقة لا يعلمها إلا الخصوص ، فرقوا بين الشريعة والحقيقة ، فجعلوا