تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
شرعا ولا يأمرك أصلا ، فإنه إن أمرك كان الحكم مثل ما قلنا في وحي الملك ، فإن كان ذلك الذي دندنت عليه عبارة عن أن اللّه خلق في قلبك علما بأمر ما ، فما ثمّ في كل نفس إلا خلق العلم في كل إنسان ، فما يختص به ولي من غيره ، وقد بينا في هذا الكتاب ( الفتوحات المكية ) وغيره ما هو الأمر عليه ، ومنعنا جملة واحدة أن يأمر اللّه أحدا بشريعة يتعبده بها في نفسه ، أو يبعثه بها إلى غيره ، وما نمنع أن يعلمه الحق - على الوجه الذي نقرره وقرره أهل طريقنا - بالشرع الذي تعبده به على لسان الرسول عليه السلام ، من غير أن يعلمه ذلك عالم من علماء الرسوم ، بالمبشرات التي أبقيت علينا من آثار النبوة ، وهي الرؤيا يراها الرجل المسلم أو ترى له ، وهي حق ووحي ، ولا يشترط فيها النوم ، لكن قد تكون في النوم وفي غير النوم ، وفي أي حالة كانت ، فهي رؤيا في الخيال ، بالحس لا في الحس ، والمتخيل قد يكون من داخل في القوة ، وقد يكون من خارج بتمثل روحاني ، أو التجلي المعروف عند القوم ، ولكن هو خيال حقيقي ، إذا كان المزاج المستقيم المهيأ للحق . ( ف ح 3 / 28 ) وتنزل رقائق من الأملاك على قلوب الأولياء ، فإذا تراءت الرقيقة للولي رجلا ممثلا ، أو صورة حيوان يخاطبه بما جاء به إليه ، فإن كان وليا فيعرضه على الكتاب والسنة ، فإن وافق ، رآه خطاب حق وتشريف لا غير ، لا زيادة حكم ولا إحداث حكم ، لكن قد يكون بيان حكم ، أو إعلاما بما هو الأمر عليه ، فيرجع ما كان مظنونا معلوما عنده ، وإن لم يوافق الكتاب والسنة ، رآه خطاب حق وابتلاء ، لابد من ذلك ، فعلم قطعا أن تلك الرقيقة ليست برقيقة ملك ، ولا بمجلى إلهي ، ولكن هي رقيقة شيطانية ، فإن الملائكة ليست لها مثل هذا المقام ، وإنها أجل من ذلك ، فما بقي للأولياء اليوم بعد ارتفاع النبوة إلا التعريف ، وانسدت أبواب الأوامر الإلهية والنواهي ، فمن ادعاها بعد محمد صلى اللّه عليه وسلم فهو مدع شريعة أوحي بها إليه ، سواء وافق بها شرعنا أو خالف ، فتحفظوا يا إخواننا من غوائل هذا الموطن . ومن ادعى نبوة التشريع بعد محمد صلى اللّه عليه وسلم فقد كذب ، بل كذب وكفر بما جاء به الصادق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولا يتعدى كشف الولي في العلوم الإلهية فوق ما يعطيه كتاب نبيه ووحيه ، قال الجنيد في هذا المقام : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ؛ وقال الآخر : كل فتح لا يشهد له الكتاب والسنة فليس بشيء ؛ فلا يفتح لولي قط إلا في الفهم في الكتاب العزيز ، لهذا قال تعالى
ما فَرَّطْنا