الآباء ، أين المنزلة من المنزلة ، فالبنون ما عندهم من العلم إلا ما نقل إليهم الملأ الأعلى ، مما استفاده من أبيهم بقدر الفهم ، فالملأ الأعلى وسائط ، وبيننا وبين أبينا روابط ، فبضاعتنا ردت إلينا ، وبها نزلوا علينا ، فما في أيدينا سوى مال أبينا ، وللملأ الأعلى أجر أداء الأمانة ، والتنزه عن الخيانة ، فإنهم من أولي العصمة ، وممن اكتسب من أبينا الرحمة ، أين ذلك الانقباض ، وفظاظة الاعتراض ، من هذا اللطف الخفي ، والإبلاغ عن المبلغ الحفي ، والملائكة لا تزال تنزل بالتنزيل ، على قلوب أهل الجمع والتفصيل ، ولكن لا تشرع إلا لنبي أو رسول ، مضى زمن الرسالة والنبوة ، وبقي الوحي فتوة ، فإن ورد بحكم متصور ، فإنما هو إخبار بشرع قد تقرر ، فليعول الولي عليه ، وليستند في العمل به إليه ، وإن وهنت روايته في الظاهر ، فهو الصحيح ، وإن ورد ضعف الصحيح في الظاهر ، فالعمل ممن ورد عليه به عمل في ربح ، ويجني العامل به ممن ليست له هذه المنزلة جبره ، ويسعد اللّه به غيره . ( ف ح 4 / 361 ، 395 )
فاعلم أن الملك لا ينزل بوحي على قلب غير نبي أصلا ، ولا بأمر إلهي جملة واحدة ، فإن الشريعة قد استقرت ، وتبين الفرض والواجب والمندوب والمباح والمكروه ، فانقطع الأمر الإلهي بانقطاع النبوة والرسالة ، ولهذا لم يكتف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بانقطاع الرسالة فقط ، لئلا يتوهم أن النبوة باقية في الأمة ، فقال عليه السلام : إن النبوة والرسالة قد انقطعت ، فلا نبي بعدي ولا رسول ؛ فما بقي أحد من خلق اللّه يأمره اللّه بأمر يكون شرعا يتعبده به ، فإنه إن أمره بفرض كان الشارع قد أمره به ، فالأمر للشارع ، وذلك وهم منه ، وادعاء نبوة قد انقطعت ، فإن قال : إنما يأمره بالمباح ، قلنا : لا يخلوا إما أن يرجع ذلك المباح واجبا في حقه ، فهذا هو عين نسخ الشرع الذي هو عليه ، حيث صير بهذا الوحي المباح الذي قرره الرسول مباحا ، واجبا يعصي بتركه ، وإن أبقاه مباحا كما كان ، فكذلك كان ، فأي فائدة في الأمر الذي به جاء هذا الملك لهذا المدعي صاحب هذا المقام ، فإن قال : ما جاء به ملك ، لكن اللّه أمرني به من غير واسطة ، قلنا : هذا أعظم من ذلك ، فإنك ادعيت أن اللّه يكلمك كما كلم موسى عليه السلام ، ولا قائل به من علماء الرسوم ولا من علماء أهل الذوق ، ثم إنه لو كلمك أو لو قال لك ، فما كان يلقي إليك في كلامه إلا علوما وأخبارا ، لا أحكاما ولا
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 32
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٣٢