شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ قلنا : لا نعم ؛ فأما قولنا لا ، فإنه لا يجوز أن يحكم برأيه ، وأما قولنا نعم ، فإنه يجوز للشافعي أن يحكم بما يخالف به حكم الحنفي ، وكلاهما شرع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه قرر الحكمين ، فخالفت شرعه بشرعه ، فإذا اتفق أن تخبر أنبياء الأولياء ، فيما يعلمهم الحق من أحكام شرع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو يشهدون الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيخبرهم بالحكم ، في أمر يرى خلافه أحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة ، لحديث رووه صح عندهم من طريق النقل ، فوقفت عليه أنبياء الأولياء وعلمت - من طريقها الذي ذكرناه - أن شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم يخالف هذا الحكم - وأن ذلك الحديث في نفس الأمر ليس بصحيح ، وجب عليهم إمضاء الحكم بخلافه ضرورة ، كما يجب على صاحب النظر إذا لم يقم له دليل على صحة ذلك الحديث ، وقام لغيره دليل على صحته ، وكلاهما قد وفّى الاجتهاد حقه ، فيحرم على كل واحد من المجتهدين أن يخالف ما ثبت عنده ، وكل ذلك شرع واحد ، فمثل هذا يظهر من أنبياء الأولياء ، بتعريف اللّه أنه شرع هذا الرسول ، فيتخيل الأجنبي فيه أنه يدعي النبوة ، وأنه ينسخ بذلك شرع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيكفره ، وقد رأينا هذا كثيرا في زماننا ، وذقناه من علماء وقتنا ، فنحن نعذرهم لأنه ما قام عندهم دليل صدق هذه الطائفة ، وهم مخاطبون بغلبة
هامش
- أو فساد ما صح عندهم ، والإخبار بنتائج الأعمال وأسباب السعادات ، وحكم التكاليف في الظاهر والباطن ، ومعرفة الحد في ذلك والمطلع ، كل ذلك ببينة من اللّه وشاهد عدل إلهي من نفسه ، غير أنه لا سبيل أن يكون على شرع يخالف شرع نبيه ورسوله الذي أرسل إليه وأمرنا باتباعه ، فيتبعه على علم صحيح ، وقدم صدق ثابت عند اللّه تعالى ، وهذا كله كان في الأمم السالفة ، وأما في هذه الأمة المحمدية ، فحكمهم ما ذكرناه وزيادة ، وهو أن لهم بحكم شرع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أن يسنوا سنة حسنة ، مما لا تحل حراما ولا تحرم حلالا ، ومما لها أصل في الأحكام المشروعة ، وتسنينه إياها أعطاه له مقامه ، وإنما حكم به الشرع وقرره بقوله : من سن سنة حسنة ( الحديث ) . . . والقسم الثاني من النبوة البشرية ، هم الذين يكونون مثل التلامذة بين يدي الملك ، ينزل عليهم الروح الأمين بشريعة من اللّه في حق نفوسهم يتعبدهم بها ، فيحل لهم ما شاء ويحرم عليهم ما شاء ، ولا يلزمهم اتباع الرسل ، وهذا كله كان قبل مبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فأما اليوم فما بقي لهذا المقام أثر إلا ما ذكرناه .
( ف ح 2 / 254 )
وخلاصة هذا التعريف ، هو أن أنبياء الأولياء ، هو كل شخص أقامه الحق في تجل من تجلياته ، وأقام له مظهر محمد صلى اللّه عليه وسلم ومظهر جبريل عليه السلام ، حتى إذا فرغ من خطابه وفزع -