ثم إن تسمية النبي صلى اللّه عليه وسلم لها بشرى ومبشرة ، لتأثيرها في بشرة الإنسان ، فإن الصورة البشرية تتغير بما يرد عليها في باطنها ، مما تتخيله في صورة تبصرها أو كلمة تسمعها ، إما بحزن أو فرح ، فيظهر لذلك أثر في البشرة لابد من ذلك ، فإنه حكم طبيعي أودعه اللّه في الطبيعة ، فلا يكون إلا هكذا . ( ف ح 2 / 377 )
واعلم أن الإنسان إذا زهد في غرضه ، ورغب عن نفسه ، وآثر ربه ، أقام له الحق عوضا من صورة نفسه ، صورة هداية إلهية ، حقا من عند حق ، حتى يرفل في غلائل النور ، وهي شريعة نبيه ورسالة رسوله ، فيلقى إليه من ربه ما يكون فيه سعادته ، فمن الناس من يراها على صورة نبيه ، ومنهم من يراها على صورة حاله ، فإذا تجلت له في صورة نبيه ، فليكن عين فهمه فيما تلقي إليه تلك الصورة لا غير ، فإن الشيطان لا يتمثل على صورة نبي أصلا ، فتلك حقيقة ذلك النبي وروحه ، أو صورة ملك مثله عالم من اللّه بشريعته ، فما قال له فهو ذاك ، ونحن قد أخذنا عن مثل هذه الصورة أمورا كثيرة من الأحكام الشرعية ، لم نكن نعرفها من جهة العلماء ولا من الكتب ، فلما عرضت ما خاطبتني به تلك الصورة من الأحكام الشرعية على بعض علماء بلادنا ، ممن جمع بين الحديث والمذاهب ، فأخبرني بجميع ما أخبرته أنه روي في الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ما غادر حرفا واحدا ، وكان يتعجب من ذلك ، حتى أنه من جملة ذلك رفع اليدين في الصلاة في كل خفض ورفع ، ولا يقول بذلك أهل بلادنا جملة واحدة ، وليس عندنا من يفعل ذلك ، ولا رأيته ، فلما عرضت على محمد بن علي بن الحاج ، وكان من المحدثين ، روى لي فيه حديثا صحيحا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكره مسلم ، ووقفت عليه بعد ذلك في صحيح مسلم لما طالعت الأخبار ، ورأيت بعد ذلك أن فيه رواية عن مالك بن أنس ، رواها ابن وهب ، وذكر أبو عيسى الترمذي هذا الحديث وقال : وبه يقول مالك والشافعي ، وكذا اتفق لي في الأخذ من صورة نبيي صلى اللّه عليه وسلم ما يعرض علي من الأحكام المشروعة ، التي لم يكن لنا علم بها . ( ف ح 3 / 70 )
فالمبشرات هي جزء من أجزاء النبوة ، فإما أن تكون من اللّه إلى العبد ، أو من اللّه على يد بعض عباده إليه ، وهي الرؤيا يراها الرجل المسلم أو ترى له ، فإن جاءته من اللّه في
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 27
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٢٧