تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
ورأى فيها ابن لحي وصاحب المحجن وصاحبة الهرة ، وكان ذلك في صلاة كسوف الشمس ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه في قبلة المصلي » ، وقد رأى الجنة والنار في قبلته ، كما أن الحائط في قبلته ، فاعلم بما نبهتك عليه أن الحق يناجيه المصلي من حيث أسماؤه لا من حيث ذاته ، إذ كانت ذاته تتعالى عن الحد والمقدار والتقييد ، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما زال الحق يناجيه في قبلته وفي صلاته ، وما أخرجه مشاهدة الجنان والنار ومن فيها ، وحركته بالتقدم والتأخر ، عن كونه مصليا ظاهرا وباطنا ، وإنما أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بهذا كله في حال الصلاة ، إعلاما لنا بما يخطر لنا في صلاتنا ، من مشاهدة أمورنا من بيع وشراء وأخذ وعطاء ، وتصريف خواطر المصلي في الأكوان ، المتجلية له في باطنه في حال صلاته ، أن ذلك لا يقدح في الصلاة المشروعة لنا ، كما يعتقده بعض عامة الفقهاء ممن لا علم له بالأمور ، وربما بعض الصالحين يتخيلون أن هذا كله مما يبطل الصلاة ، ويخرج الإنسان عن الحضور مع الحق ، ما الأمر على ذلك ، بل كل ما يشاهده المصلي في صلاته من الأكوان هو حق ، وهو من الصلاة لمن عقل ما المراد بالصلاة ؟ وكما لم يقدح في صلاته ما تشاهده عينه من المحسوسات التي في قبلته ، التي ظهرت لبصره بوجودها وذواتها من العوالم وحركاتهم ، ولا يخرجه ذلك عن كونه مصليا بلا خلاف ، ويكره للمصلي أن يغمض عينيه في صلاته ، فكذلك أيضا ما يتجلى لعين بصيرته وقلبه ، من مثل الخواطر وصور الأمور التي تعرض له في باطنه ، وهي من عند اللّه ، وعين بصيرته مفتوح مثل عين حسه ، فكل صورة ممثلة تجلى له الحق بها في باطنه ، كما تجلى له في المحسوسات في ظاهره ، فلابد أن يدركها بعين بصيرته وقلبه ، كما أدرك صور المحسوسات ببصره ، وكما أنه لم أنه يخرجه ذلك عن كونه مصليا على حد ما شرع له مع استقبال ربه ، وذلك الاستقبال هو المعبر عنه بالنية ، المطلوبة منه عند الشروع في تلك العبادة ، فمن لا علم له بالأمور يقدح هذا عنده ، فإن احتج أحد بقوله صلى اللّه عليه وسلم في الركعتين ، اللتين يصليهما العبد عقيب الوضوء ، لا يحدث نفسه فيهما بشيء ، فليس بحجة ، وما فهم ما أراده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وما حقق نظره في لفظه بماذا قيده صلى اللّه عليه وسلم ؟ فإنه قيده بالحديث مع نفسه ، وهذه الصور التي يرى المصلي نفسه فيها ، إنما يشاهدها بعين قلبه ، وما تعرض الشارع إلا لمن يحدث لا لمن يبصر ، لأنه ليس في قوته أن يغمض عين قلبه عما تجلى له الحق من الصور ، ثم قيد