تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
الموضوع - أي ناموس كان - في تلك البقعة ، التي ترى تلك الصورة فيها ، من ولاة أمر ذلك الإقليم القائمين بناموسه ، وما ثمّ مرتبة رابعة سوى ما ذكرناه ، فالأولى وهي رجوع الصورة إلى عين المرئي ، فهي حسنة كاملة ولابد ، لا تتصف بشيء من القبح والنقص ، والمرتبتان الباقيتان قد تظهر الصورة فيهما بحسب الأحوال ، من الحسن والقبح والنقص والكمال ، فلينظر إن كان من تلك الصورة خطاب ، فبحسب ما يكون الخطاب يكون حاله ، وبقدر ما يفهم منه في رؤياه ، ولا يعول على التعبير في ذلك بعد الرجوع إلى عالم الحس ، إلا إن كان عالما بالتعبير ، أو يسأل عالما بذلك ، ولينظر أيضا حركته - أعني حركة الرائي مع تلك الصورة - من الأدب والاحترام أو غير ذلك ، فإن حاله بحسب ما يصدر منه في معاملته لتلك الصورة ، فإنها صورة حق بكل وجه ، وما عدا هذه الصورة التي يراها في الرؤيا التي من اللّه ، فليست إلا من الشيطان إن كان فيه تحزين ، أو مما يحدث المرء به نفسه في حال يقظته ، فلا يعول على ما يرى من ذلك ، ومع هذا وكونها لا يعول عليها ، إذا عبرت كان لها حكم ولابد ، يحدث لها ذلك من قوة التعبير لا من نفسها ، وهو أن الذي يعبرها لا يعبرها حتى يصورها في خياله من المتكلم ، فقد انتقلت تلك الصورة من المحل الذي كانت فيه حديث نفس أو تحزين شيطان ، إلى خيال العابر لها ، وما هي له حديث نفس ، فيحكم على صورة محققة ارتسمت في ذاته ، فيظهر لها حكم أحدثه حصول تلك الصورة في نفس العابر ، فيخرج الأمر في الحس كما عبر . فإذا رأى أحد رؤيا ، فإن صاحبها له فيما رآه حظ ، من الخير والشر بحسب ما تقتضي رؤياه ، أو يكون الحظ في ناموس الوقت في ذلك الموضع ، وأما الصورة المرئية فلا . فيصور اللّه ذلك الحظ طائرا ، وهو ملك في صورة طائر ، كما يخلق من الأعمال صورا ملكية روحانية جسدية برزخية ، وإنما جعلها في صورة طائر ، لأنه يقال : طار سهمه بكذا ، والطائر الحظ ، ويجعل الرؤيا معلقة من رجل هذا الطائر ، وهي عين الطائر ، ولما كان الطائر إذا اقتنص شيئا من الصيد من الأرض ، إنما يأخذه برجله لأنه لا يد له ، وجناحه لا يتمكن له الأخذ به ، فلذلك علق الرؤيا برجله ، فهي المعلقة وهي عين الطائر ، فإذا عبرت سقطت لما قيلت له ، وعندما تسقط ينعدم الطائر لأنه عين الرؤيا ، فيعدم بسقوطها ويتصور في عالم الحس بحسب الحال التي تخرج عليه تلك الرؤيا ، فترجع صورة الرؤيا عين الحال لا غير .
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 26 | محمود محمود الغراب