تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أقول ، ولا حجة للقائلين بخلاف ما قاله ، ولا سيما والنبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ؛ ففرق بين الفقيه والقارئ ، وأعطى الإمامة للقارئ ما لم يتساويا في القراءة ، فإن تساويا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر ، فوجب تقديم العالم بالسنة وهو الأفقه ، ثم قال عليه السلام : فإن كانوا في العلم بالسنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلاما ، ولا يؤم الرجل في سلطانه ، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه - وهو حديث متفق على صحته ، وبه قال أبو حنيفة وهو الصحيح الذي يعول عليه ، وأما تأويل المخالف للنص بأن الأقرأ كان في ذلك الزمان الأفقه ، فقد رد هذا التأويل قوله صلى اللّه عليه وسلم فأعلمهم بالسنة ؛ وأهل القرآن هم أهل اللّه وخاصته ، وهم الذين يقرؤون حروفه من عجم وعرب ، وقد صحت لهم الأهلية الإلهية والخصوصية ، فإذا انضاف إلى ذلك المعرفة بمعانيه فهو فضل في الأهلية والخصوصية ، لا من حيث القرآن بل من حيث العلم بمعانيه ، فإن انضاف إلى ذينك حفظه والعلم بمعانيه العمل به ، فنور على نور ، وينبغي أن يختار للإمامة أهل الدين والخير المشتغلون باللّه ، وإن كانوا قليلي العلم ، فهم أولى بالإمامة من العلماء الغافلين ، لأن المراد من المصلي الحضور مع اللّه في تلك العبادة ، فلا يحتاج من علم المصلي من حيث ما هو مصل ، إلا أن يعرف أنه بين يدي ربه ، يناجيه بما يسر اللّه من تلاوة كتابه لا غير ، فلا يبالي بما نقصه من العلم في حال صلاته ، فلهذا لا يشترط في الإمام كثرة العلم ، وإنما الغرض ما يليق بهذه الحالة ، فإن اتفق أن يكون من هذه حالته من الدين المراقبة والحياء من اللّه ، كثير العلم راسخا سيدا ، كان الأولى بالتقدم ، فإنه الأفضل ممن ليس له ذلك ، وجاء في الإمام إذا صلى وهو يعلم أن خلفه من هو أحق بالإمامة منه ، فلم يقدمه وتقدم عليه ، لم يزل في سفال إلى يوم القيامة ، إلا أن يقدمه ذلك الأفضل فيتقدم عن أمره ، كصلاة أبي بكر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وصلاة عبد الرحمن بن عوف برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - لما جاء وقد فاتته ركعة - وتقدم لأجل خروج الوقت ، فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد صلوا ركعة ، فصلى خلفه وشكرهم على ما فعلوا وقال : أحسنتم ؛ وقال صلى اللّه عليه وسلم : لا يؤمنّ الرجل في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه . ولو كان الخليفة بنفسه إذا دخل دار أحد من رعيته ، فالأدب الإلهي المعتاد يحكم عليه بأن يحكم عليه رب البيت ، فحيثما أقعده قعد
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 236 | محمود محمود الغراب