حكمة وضع الشرائع :
إن الشرع ما جاء إلا لمصالح الدنيا والآخرة ، فالآخرة لا تعرف إلا بإخبار خالقها ، وأنها في حكم العقل ممكنة ، والدنيا ومصالحها معلومة ، لأنها واقعة مشهودة ، فللنظر في مصالحها مجال بخلاف الآخرة ، فلا تتوقف مصالح الدنيا على ما تتوقف عليه مصالح الآخرة ، ولهذا ما خلت طائفة من ناموس تكون عليه ، لأن طلب المصالح ذاتي في الحيوان ، فكيف في الإنسان صاحب الفكر والروية ؟ . وما شرع للناس من الأحكام إلا ما كانوا عليه ، فما زادهم في ذلك إلا كونها من عند اللّه ، فيحكمون بها على طريق القربة إلى اللّه ، لتورثهم السعادة عند اللّه ، وإنما قلنا ما شرع لهم من الأحكام إلا ما كانوا عليه ، لأنه لم تخل أمة من الأمم على ناموس تكون عليه لمصالح أحوالها ، وليست إلا خمسة ، فلابد من واجب أوجبه إمامهم وواضع ناموسهم عليهم ، وهو الواجب والفرض عندنا ، وكذلك المندوب والمحظور والمكروه والمباح ، لأنه لابد لهم من حدود في الأحكام يقفون عندها . فعلم أن أصل وضع النواميس في هذه الدار إنما هو لمصلحة الدنيا والآخرة ، فمن المحال رفع التحجير والتكليف ما دامت الدنيا وما دام من فيها . وعلم أن أصل وضع الشريعة في العالم وسببها ، طلب صلاح العالم ومعرفة ما جهل من اللّه ، مما لا يقبله العقل ، أي لا يستقل به العقل من حيث نظره ، فنزلت بمعرفة هذا الكتب المنزلة ، ونطقت به ألسن الرسل والأنبياء ، فعلمت العقلاء عند ذلك أنهم نقصوا من العلم باللّه أمورا ، تممتها لهم الرسل والأنبياء عليهم السلام . ولولا وجود الشرائع ما كان ثمّ كفر باللّه يعطي الشقاء ، فما جاءت الشرائع إلا من أجل التعريف بما هي الدار الآخرة عليه ، ولو كانت مقصورة على مصالح الدنيا لوقع الاكتفاء بالنواميس الحكمية المشروعة ، التي ألهم اللّه من ألهم من عباده لوضعها لوجود المصالح . ( ف ح 3 / 384 ، 409 ، 480 - ح 1 / 325 - ح 2 / 248 )
التكليف :
التكليف يجب على العاقل إذا بلغ ، والبلوغ بالسن أو الإنبات أو الحلم . والتكليف يثبت عين العبد مضطرا كان أو مختارا ، وأنبأنا الدليل الواضح ، أن التكليف شرع