هذا القول لأحد ، وهو معقول ، وما عندنا من الشرع دليل أنه طاهر في نفسه لكنه طهور ، وإن احتجوا علينا بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شيء » قلنا : ما قال إنه طاهر في نفسه ، وإنما قال فيه إنه طهور ، والطهور هو الماء والتراب الذي يطهر غيره ، فإنه كما قلنا : نعلم قطعا أن الماء حامل للنجاسة عقلا ، ولكن الشارع ما جعل لها أثرا في طهارة الإنسان به ، ولا سماه نجسا ، فقد يريد الشارع التعريف بحقيقة الأمر ، وهو أن الماء في نفسه طاهر بكل وجه أبدا ، لم يحكم عليه بنجاسة ، أي أن النجاسة ليست بصفة له ، وإنما أجزاء النجس تجاور أجزائه ، فلما عسر الفصل بين أجزاء البول مثلا وبين أجزاء الماء ، وكثرت أجزاء النجاسة على أجزاء الماء ، فغيرت أحد أوصافه ، منع من الوضوء به شرعا على الحد المعتبر في الشرع ، وإذا غلبت أجزاء الماء على أجزاء النجاسة فلم يتغير أحد أوصافه ، لم يعتبرها الشارع ولا جعل لها حكما في الطهارة بها ، فإنا نعلم قطعا أن المتطهر استعمل الماء والنجاسة معا في طهارته الشرعية ، والحكم للشرع في استعمال الأشياء لا للعقل ، ولم يرد شرع قط بأنه طاهر ليست فيه نجاسة ، إلا باعتبار ما ذكرناه من عدم تداخل الجواهر ، وهو أمر معقول ، فما بقي إلا تجاورها ، فاعتبر الشارع تلك المجاورة في موضع ، ولم يعتبرها في موضع ، فلذلك لم يجز الطهارة به في الموضع الذي اعتبرها ، وأجاز الطهارة به في الموضع الذي لم يعتبرها ، ولم يقل فيه : إنه ليس فيه نجاسة ، فالحكم في الماء على أربع مراتب إذا خالطته النجاسة أو لم تخالطه : حكم بأنه طاهر مطهر ، وحكم بأنه طاهر غير مطهر ، وحكم بأنه غير طاهر ولا مطهر ، وحكم بأنه مطهر غير طاهر ، فالطاهر المطهر هو الماء الذي لم تخالطه نجاسة ، والطاهر غير المطهر هو الماء الذي يخالطه ما ليس بنجس ، بحيث أن يزيل عنه اسم الماء المطلق ، مثل ماء الزعفران وغيره ، وحكم بأنه غير طاهر ولا مطهر وهو الماء الذي غيرت النجاسة أحد أوصافه ، وصاحب هذا الحكم يرد الحديث الذي احتج به علينا ، فإن الشارع قال « لا ينجسه شيء » فكيف اعتبره هذا المحتج به هنا ، ولم يعتبره في الوجه الذي ذهبنا إليه في أنه مطهر غير طاهر ؟ ويلزمه ذلك ضرورة ، وليس عندنا دليل شرعي يرده ، والرابع مطهر غير طاهر فإنه الماء الذي خالطته النجاسة ولم تغير أحد أوصافه . ( ف ح 3 / 518 - ح 1 / 351 )
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 189
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١٨٩