تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
عالم الأرض والسماوات ، لم تتعلق قدرته بشيء حتى أراده ، كما أنه لم يرده حتى علمه ، إذ يستحيل في العقل أن يريد ما لا يعلم ، أو يفعل المختار المتمكن من ترك ذلك الفعل ما لا يريد ، كما يستحيل أن توجد نسب هذه الحقائق في غير حي ، كما يستحيل أن تقوم الصفات بغير ذات موصوفة بها ، فما في الوجود طاعة ولا عصيان ، ولا ربح ولا خسران ، ولا عبد ولا حر ، ولا برد ولا حر ، ولا حياة ولا موت ، ولا حصول ولا فوت ، ولا نهار ولا ليل ، ولا اعتدال ولا ميل ، ولا بر ولا بحر ، ولا شفع ولا وتر ، ولا جوهر ولا عرض ، ولا صحة ولا مرض ، ولا فرح ، ولا ترح ، ولا روح ولا شبح ، ولا ظلام ولا ضياء ، ولا أرض ولا سماء ، ولا تركيب ولا تحليل ، ولا كثير ولا قليل ، ولا غداة ولا أصيل ، ولا بياض ولا سواد ، ولا رقاد ولا سهاد ، ولا ظاهر ولا باطن ، ولا متحرك ولا ساكن ، ولا يابس ولا رطب ، ولا قشر ولا لب ، ولا شيء من هذه النسب ، المتضادات منها والمختلفات والمتماثلات ، إلا وهو مراد للحق تعالى ، وكيف لا يكون مرادا له وهو أوجده ؟ فكيف يوجد المختار ما لا يريد ؟ لا راد لأمره ولا معقب لحكمه ، يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ويذل من يشاء ، ويضل من يشاء ويهدي من يشاء ، ما شاء كان وما لم يشأ أن يكون لم يكن ، لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئا لم يرد اللّه تعالى أن يريدوه ما أرادوه ، أو يفعلوا شيئا لم يرد اللّه تعالى إيجاده - وأرادوه عندما أراد منهم أن يريدوه - ما فعلوه ولا استطاعوا على ذلك ، ولا أقدرهم عليه ، فالكفر والإيمان ، والطاعة والعصيان ، من مشيئته وحكمه وإرادته ، ولم يزل سبحانه موصوفا بهذه الإرادة أزلا والعالم معدوم غير موجود ، وإن كان ثابتا في العلم في عينه ، ثم أوجد العالم من غير تفكر ، ولا تدبر عن جهل ، أو عدم علم ، فيعطيه التفكر والتدبر علم ما جهل ، جلّ وعلا عن ذلك ، بل أوجده عن العلم السابق وتعيين الإرادة المنزهة الأزلية ، القاضية على العالم بما أوجدته عليه ، من زمان ومكان وأكوان وألوان ، فلا مريد في الوجود على الحقيقة سواه ، إذ هو القائل سبحانه
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
وأنه سبحانه كما علم فأحكم ، وأراد فخصص ، وقدر فأوجد ، كذلك سمع ورأى ما تحرك أو سكن أو نطق في الورى ، من العالم الأسفل والأعلى ، لا يحجب سمعه البعد فهو القريب ، ولا يحجب بصره القرب فهو البعيد ، يسمع كلام النفس في النفس ، وصوت