تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
موجود سواه مفتقر إليه تعالى في وجوده ، فالعالم كله موجود به ، وهو وحده متصف بالوجود لنفسه ، لا افتتاح لوجوده ، ولا نهاية لبقائه ، بل وجود مطلق غير مقيد ، قائم بنفسه ، ليس بجوهر متحيز فيقدر له المكان ، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ، ولا بجسم فتكون له لجهة والتلقاء ، مقدس عن الجهات والأقطار ، مرئي بالقلوب والأبصار إذا شاء ، استوى على عرشه كما قاله وعلى المعنى الذي أراده ، كما أن العرش وما سواه به استوى ، وله الآخرة والأولى ، ليس له مثل معقول ، ولا دلت عليه العقول ، لا يحده زمان ، ولا يقله مكان ، بل كان ولامكان ، وهو على ما عليه كان ، خلق المتمكن والمكان ، وأنشأ الزمان ، وقال : أنا الواحد الحي لا يؤوده حفظ المخلوقات ؛ ولا ترجع إليه صفة لم يكن عليها من صنعة المصنوعات ، تعالى أن تحله الحوادث أو يحلها ، أو تكون بعده أو يكون قبلها ، بل يقال : كان ولا شيء معه ، فإن القبل والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه ، فهو القيوم الذي لا ينام ، والقهار الذي لا يرام ، ليس كمثله شيء ، خلق العرش وجعله حد الاستواء ، وأنشأ الكرسي وأوسعه الأرض والسماوات العلى ، اخترع اللوح والقلم الأعلى ، وأجراه كاتبا بعلمه في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء ، أبدع العالم كله على غير مثال سبق ، وخلق الخلق ، وأخلق الذي خلق ، أنزل الأرواح في الأشباح أمناء ، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلفاء ، وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، فلا تتحرك ذرة إلا إليه وعنه ، خلق الكل من غير حاجة إليه ، ولا موجب أوجب ذلك عليه ، لكن علمه سبق بأن يخلق ما خلق ، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو على كل شيء قدير ، أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا ، يعلم السر وأخفى ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، كيف لا يعلم شيئا هو خلقه ؟ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ؟ علم الأشياء منها قبل وجودها « 1 » ، ثم أوجدها على حد ما علمها ، فلم يزل عالما بالأشياء ، لم يتجدد له علم عند تجدد الإنشاء ، بعلمه أتقن الأشياء وأحكمها ، وبه حكّم عليها من شاء وحكمها ، علم الكليات على الإطلاق ، كما علم الجزئيات بإجماع من أهل النظر الصحيح واتفاق ، فهو عالم الغيب والشهادة ، فتعالى اللّه عما يشركون ، فعال لما يريد ، فهو المريد الكائنات في
هامش
( 1 ) راجع العلم تابع للمعلوم .